11
والحقيقة أن اعتبار الإمام نبيا تعميم للنبوة، في حين أن النبوة واقعة فريدة لا تتكرر. النبي هو وسيلة الاتصال بين نبع الوحي والآخرين، وسيلة واحدة خاصة، في حين أن وظيفة الإمام وظيفة عملية خالصة، وليست نظرية كوظيفة النبوة، تنحصر في تطبيق الوحي، وتحويله إلى نظام للجماعة؛ فإذا كانت وظيفة النبوة نظرية وعملية فإن وظيفة الإمام عملية خالصة، ولا تتجاوز الجانب النظري إلا بالاجتهاد في الفروع. تتمثل خطورة الإمام النبي أو الداعية النبي في فتح الباب لظهور الأدعياء والمتنبين والمجانين، وكل من لديه إحساس بالاضطهاد، أو كل من لديه إحساس بأنه مختار مخلص صاحب رسالة. وكثيرا ما يحدث ذلك في المجتمعات التي تعتقد بالإمامة وبالنبوة، كما تتمثل أيضا في تحويل الإمامة من الوظيفة العملية إلى الوظيفة النظرية، وكثرة التفسيرات الخيالية للوحي، وتصريف الطاقة البشرية في نظريات عن الحياة والكون والإنسان يغلب عليها طابع الإشراق؛ فيضعف العقل، ويعود إلى ما قبل اكتمال النبوة، ناقصا في حاجة إلى عون؛ وتضعف الإرادة، وتعود أيضا إلى ما قبل اكتمال النبوة، ناقصة في حاجة إلى معين. والحقيقة أن ادعاء النبوة يقوم على أسس نفسية في مجتمع الاضطهاد وفي القيادة المضطهدة، سواء ادعاها القائد عن سوء نية حتى تتم له السيطرة على الجماعة، أو بصدق اعتقاد. فادعاء النبوة في كلتا الحالتين وسيلة يصطنعها القائد لإحداث السمع والطاعة، وليس تحولا طبيعيا من الإحساس بالرسالة إلى سماع الهاتف. وقد نشأ الأنبياء الدعاة أو الأئمة الأنبياء في مناطق الكوفة وجوها النفسي؛ جو الاستشهاد، والذي يبعد عن جو البصرة وبغداد الذي يغلب عليه العقل والمنطق. وقد يستعير الإمام أو الداعية المتنبي بعض الصور والأفعال النمطية من النبوات السابقة؛ فقد يتمثل المدعي للنبوة حياة النبي وسيرته، فيكون حرفيا مثله بائع حنطة، أو تبان أسوة بباقي الأنبياء الذين كانوا رعاة ونجارين، وحتى تبدو النبوة في أضعف الناس وأبسطهم وأبعدهم عن الهرج والهالة والأضواء «يوضع سره في أضعف خلقه».
12
كما يدعو أثر تاريخ الأديان في بعض الأساطير التي تحيط بهم، خاصة وأن القائلين بها كانوا على علم بأساطير مشابهة في دياناتهم التي كانوا يعتنقونها قبل دخولهم في الدين الجديد.
13
ولكن ما يهمنا اليوم ليس تكذيب نبوة هذا أو ذاك؛ فهذا أمر لم يعد له دلالة الآن، ولم يعن لهذه الفرق القديمة وجود، ولا ينتج عن ذلك إلا إثارة الأحقاد في وقت تحتاج الأمة فيه إلى وحدتها بين سنة وشيعة، خاصة بعد اندلاع الثورة الإسلامية الكبرى في إيران، والتأكيد على أن ليس المهم في الإمامة عقائدها النظرية، بل آثارها العملية، وهو مقياس أصولي بين الظن النظري واليقين العملي. (2) هل الرؤية أو الحكمة استمرار للنبوة؟
هل تقوم الرؤية مقام الإمامة وتأخذ وظيفتها في استمرار النبوة؟ هل الرؤية الصالحة درجة من درجات النبوة؟ إذا كانت الرؤية قبل ختم النبوة واكتمال الوحي، وقبل المرحلة الأخيرة فهي ممكنة، بل إن النبوة ذاتها ممكنة حتى ولو لم يقصها الوحي؛ فلربما دعا إليها من الأنبياء الذين لم يقصوا علينا، وربما كانوا من حكماء البشر وملهميهم.
14
أما بعد اكتمال الوحي وختم النبوة فالرؤية خيال باطل بالنسبة للنبوة، وإن كان يمكن أن تكون حقا بالنسبة إلى قدرة الإنسان على التنبؤ بمستقبله، مثل قدرته على تذكر الماضي ومعرفة الحاضر؛ فالإنسان ممتد في الزمان، ووعيه متصل من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل، وإن هموم الإنسان لتظهر في الأحلام، وتوقعاته للمستقبل تتراءى في الحاضر؛ وبالتالي يسهل تفسيرها وقراءتها وترجيح أحد احتمالاتها على الأخرى. وإن رؤيا النبي ليست جزءا من نبوته؛ لأن النبوة لا تتم إلا في حالة اليقظة؛ حتى يتم استيعاب الوحي وحفظه، أو تبليغه لكتبة الوحي للتدوين؛ فالوحي كلام والرؤية مجرد صور. وليس كلام الوحي من اختيار النبي ليصف به ما يراه من صور، بل هو وحي بالمعنى واللفظ. إن رؤيا النبي، مثل رؤى غيره من البشر، تعبير عن همومه اليومية وتطلعاته المستقبلية.