قد لا تكتفي الإمامة بوظيفتها العملية في قيادة الأمة وتطبيق شريعتها، ولكنها تأخذ منحنى نظريا وتصبح تشريعية بدورها، ثم يتجاوز دورها إلى أن تصبح استمرارا للنبوة ومفسرا لها وكاشفا عن أسرارها، وقد يصل الأمر أخيرا إلى أن تتجاوز النبوة إلى الألوهية، فيصبح الإمام إلها ويعود العلم إلى التوحيد من جديد.
3
ويظهر ادعاء النبوة في الجماعات المضطهدة من زعمائها؛ إحساسا منهم بالرسالة، ورغبة منهم في تخليص مجتمعاتهم من الاضطهاد، وأن تسهل له قيادها، وأن تدين له بالطاعة والولاء. يشعر الزعيم أنه منادى وأن صوتا داخليا يناديه. وهو إحساس إنساني خالص، وليس له أي وجود واقعي، خاصة إذا كان المجتمع دينيا حديث العهد بالنبوة، يجد فيها الزعيم نفسه قادرا على التأثير إذا هو صاغ هذا الهاتف الباطني في صورة نبوة فعلية، حتى يحدث أثرها في السمع والطاعة. تبدأ النبوة إذن بإحساس صادق من قائد أحس مجتمعه بالظلم والاضطهاد، وأن عليه رسالة يؤديها، وأن هاتف الحق يدعوه للانتصار. النبوة هنا إحساس بالرسالة، وهو إحساس طبيعي في مجتمع مضطهد وفي قيادة مقهورة.
وتستمر النبوة في علي وأولاده حتى الابن السابع أو الثاني عشر، وهو المهدي المنتظر،
4
بل إنها ما كان ألا تكون إلا في علي لولا خطأ في المرسل إليه من الواسطة، أو خديعة من الرسول الذي ادعى الأمر إلى نفسه ولم يكن له. وقد تخطئ الواسطة عن قصد أو عن غير قصد، وقد يدعي الرسول النبوة له بالاتفاق والتواطؤ مع الواسطة أو بدونها،
5
وقد تستمر النبوة في الأئمة جميعا، وتصبح الإمامة نبوة وكل إمام نبيا في وقته،
6
وقد تستمر النبوة في دعاة الأئمة، وليس في الأئمة وحدهم، ويتحول داعي الإمام شيئا فشيئا إلى إمام ثم إلى نبي، وقد يغالي الداعية فينكر النبوة، ويجعل نفسه نبيا أو يجعل غيره من القادة أنبياء. وهنا تكون الدعوة أو الإمامة ضد النبوة وبديلا عنها، وليس فقط استمرارا لها أو مفسرة إياها، بل تكون هي النبوة الوحيدة، وينزل الوحي على الإمام، ويعلم الغيب وأسرار الله، ويكون مؤيدا بالنصر على الأعداء، وهو ما لم يحدث حتى للنبي.
7
وقد يصل الأمر بالإمام أو بالداعية النبي إلى حد الألوهية، فيصبح إلها لا فرق بين المرسل والمرسل إليه. وتتبادل المواقف بين الإله والإمام النبي؛ نظرا لسيطرة النبوة الرأسية على النبوة الأفقية؛ طلبا للقوة في مواجهة الخصوم، وطلبا للطاعة من الناس. فلا تهم الرسالة؛ أي النبوة الأفقية، بل يهم الخروج على مجتمع السيطرة وتجنيد الناس. وقد لا يدعي الإمام النبي بالضرورة الألوهية؛ إذ يفصل بين نفسه كإمام أو كداعية وبين الله، حينئذ قد يكتفي بأن تكون علاقته بالله علاقة حب ومعرفة، وليست علاقة اتحاد أو حلول. وإن رفع الإمام النبي إلى مرتبة الألوهية لتقابل خفض أعدائه إلى مرتبة الشيطانية أو الجنية. كلها حالات نفسية للرفع والخفض، للإيجاب والسلب، للإثبات والنفي.
8
وإذا لم يكن الداعية نبيا فهو على الأقل شريك في النبوة أثناء حياة النبي، ووريثها بعد مماته.
9
وإن لم يكن شريكا فهو على الأقل وصى للنبي، وقد يكون الوصي أحيانا أكثر أهمية من النبي؛ فالنبي أذاع الكلمة وبلغها، ولكن الوصي هو الذي يفسرها ويعطيها معناها ويكشف مخبأها. النبي بلا وصي صوت في الهواء، أو شكل على ورق، بل قد تتجاوز نبوة الداعية النبوة الأصلية، وتعطي علما لم تعطه الأولى.
10
وقد يبز الإمام أو الداعية النبي ذاته في العلم، فيعلم ما لا يعلمه بعد أن ورث علمه من النبي أولا، ثم فاقه وزاد عليه علما وعمقا وفهما، ويتحول الرسول إلى مجرد كاتب يعلم اللغات، في حين أن العلم الحي عند الإمام؛ وبالتالي تكون نسبة الرسول للإمام نسبة الأمي للعالم. وتتجاوز وظيفة الداعية المعرفية المعرفة العادية إلى المعرفة عن طريق الإلهام، وهي في الغالب المعرفة الصوفية. تنبع المعرفة في قلب الإمام وتصدر الحكمة منه، كما يعطي الداعية لنفسه الحق في معرفة الغيب ، وهي المعرفة التي لا يعملها أحد حتى الأنبياء، بل إنه ليس في حاجة إلى نبوة؛ لأنه الله، والله يعلم، وعلمه سابق على النبوة. ويكون الداعية قادرا على فعل المعجزات ما دام مؤيدا بالنبوة؛ نظرا لالتصاق النبوة بالمعجزة، ولشدة التوتر النفسي الذي يجعل الإنسان قادرا على الإتيان بالأفعال غير المتوقعة، حقيقة أو وهما.