تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29

والإجابة إثباتا تثبت تغير العلم تبعا لتغير الواقع، أو يكون العلم أوسع نطاقا من الواقع حتى يستطيع أن يتقبل كل احتمالاته؛ ومن ثم تكون الأولوية للواقع ولفعل الإنسان؛ وبالتالي يكون العلم الإلهي والفعل الإلهي تابعين لفعل الإنسان؛ فالإنسان هو الذي يحدد بفعله نتيجة العلم والفعل الإلهيين. الفعل الإنساني هو الشارط والفعل الإلهي هو المشروط. والشرط هنا لا يعني شرط الوجود، بل يعني أولوية الفعل؛ لا يعني الشرط هنا شرطا منطقيا، بل يعني مجرد أولوية الفعل من حيث العمل.

30

والحقيقة أنه لا توجد بداوات، بل تحقق أولا حتى تتم المعرفة التجريبية وتتحقق الغاية من البداء؛ فلا يعني البداء الجهل، أو نفي الحسن والقبح العقليين، أو قلب الحق باطلا والباطل حقا. ليس البداء مجرد تغيير الرأي بلا سبب تعبيرا عن مطلق القدرة وعظمة المشيئة، بل هو درس تعليمي في العلم التجريبي، وقدرة الفكر حسب الواقع بعد نداء الواقع للفكر في «أسباب النزول»، ولا يحدث خارج الوقت، أو في أي وقت اتفق في تطور الزمن والتغير في التاريخ من السابق إلى اللاحق. يشير البداء إلى مشكلة التغير في الزمان، وأن العلم يتغير بتغير الواقع ؛ كلما تغير الواقع تغير العلم طبقا له، وهو معنى النسخ عند الأصوليين. إثبات البداء وجهة نظر إنسانية خالصة تعطي الأولوية للإنسان، وإلى تغير العلم حسب الواقع ودرجة تطوره. فالوحي تجريبي بمعنى أنه لا يكون وحيا نهائيا إلا إذا تطابق مع الواقع. الواقع هو وسيلة تحقيق صدق الوحي؛ ضيقه أو اتساعه. كان الوحي قديما متسعا بالنسبة للواقع، كان يحتاج إلى تطوير وإلى دفعة خارجية له، ثم ترك الواقع لتطوره الطبيعي ومساره التاريخي، وأصبح الوحي بعد ذلك متحدا مع التطور الطبيعي للواقع. والواقع هنا ليس هو الواقع المصمت الخالص، بل هو الواقع التاريخي الذي يشمل البشر وممارسة الشعوب وإرادة الجماعات. وقد تصور البعض أن إثبات البداء فيه خطورة على الفعل الإنساني الذي تحقق بالرأي الأول، ثم عليه الآن أن يتغير طبقا للرأي الجديد؛ لذلك يمكن إثبات البداء فيما لم يعلمه الإنسان، ونفيه عما يعلمه ويطلع عليه؛ خشية أن يفعل الإنسان طبقا للعلم الأول، فيفشل فعله، فيرفض العلم كله. وهي تفرقة أقرب إلى نفي البداء منها إلى إثباته؛ لأن ما لم يطلع عليه الإنسان لا يعلمه، وما دام لا يعلمه فلا يحدد سلوكه بالنسبة إليه.

31

وكما يمكن إنكار البداء لإطلاقية العلم وثبوته وقدمه، يمكن إنكاره أيضا بالتمييز بين صفة العلم وصفة الإرادة، التمييز بين النظر الثابت الذي لا يتغير وبين العمل الذي يتغير من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان، إثباتا للتنزيه وللعلم المطلق الذي لا يتغير.

32

يشير البداء إذن إلى الفرق بين العلم والإرادة؛ فقد يكون هناك علم لا تتبعه إرادة، وقد تكون هناك إرادة تابعة لعلم جديد. وقد عبر القدماء عن هذه الصلة في سؤال: هل يجوز على الله الترك؟ فالإجابة نفيا إثبات لعدم تغير العلم والإرادة معا؛ وبالتالي إثبات قوانين عامة في الطبيعة وفي الحياة الإنسانية، والإجابة إثباتا تعني أن التغير ممكن في العلم والسلوك، إما مما أخبر عنه من ثواب وعقاب قد لا يحدث، ما دامت الغاية منه، التأثير على النفوس وإقامة حياة خلفية كاملة، قد تحققت، وإما أن الرحمة قد تفرض العفو دون العدل، وكلاهما من الصفات.

33

وبالرغم من أن القول بالبداء نشأ في ظرف تاريخي معين، كتبرير لحدوث شيء غير متوقع، وبالتالي يمكن رده إليه، إلا أن رد الأفكار إلى مجرد الوقائع التاريخية وقوع في النزعة التاريخية الخالصة؛ لذلك يظل البداء دلالة نظرية لتجربة شعورية.

34

إن النسخ أمر وضعي يتعلق بالشريعة والقدرة الإنسانية، وليس بالعلم والإرادة الإلهية، فتوالي النصوص في الزمان يجعل بعضها ناسخا وبعضها منسوخا؛ لذلك يكون من عيوب منهج النص استعمال المنسوخ بدل الناسخ، سواء داخل كل مرحلة، أو داخل آخر مرحلة يكتمل فيها الوحي. ويعني النسخ بهذا المعنى تطور الوحي في الزمان وبيان مدة العبادة؛ فالعبادة تتم في الزمان، والزمان وقت، والوقت تطور، والتطور تاريخ، ولا يهم بعد ذلك رفع الحكم أو عدم رفعه؛ فالمهم هو بيان وقته. وسواء كان ذلك رفعا أم غير رفع؛ فذلك خارج عن نطاق الحكم؛ لذلك كان من شروط النسخ انفصال الناسخ عن المنسوخ بمدة من الوقت. فالزمان هو الأساس «الأنطولوجي» للنسخ، وكأن الإنسان يحدث في حياة الإنسان، فهو تطور في الزمان الوجودي وليس في التاريخ، فالغاية من تطور الوحي في التاريخ هو تطور الشعور وارتقاؤه نحو الكمال، وكأن الناسخ أقوى من المنسوخ، وتتحدد قوته بمدى احتوائه العلم والعمل على السواء، ولكن يتم النسخ بالفعل في العمل وليس في النظر. لا يوجد نسخ للعلم النظري، بل في كيفية التطبيق العملي، وإن تغير الأساس النظري للسلوك ليس نسخا، بل تغير له من حيث الامتداد والاحتواء.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٣٦