25 (3) النسخ في آخر مرحلة
ويمتد موضوع النسخ من تطور الوحي وعلاقة كل مرحلة سابقة بمرحلة لاحقة، إلى آخر مرحلة وتطورها على مدى ثلاث وعشرين سنة، منذ بداية الوحي حتى آخره. فإذا كان النسخ الأول بين المراحل هو النسخ الخارجي، فإن النسخ داخل آخر مرحلة يكون هو النسخ الداخلي. غاية النسخ بين المراحل هو إحداث تقدم في البشرية، بينما غاية النسخ في آخر مرحلة هو الإسراع في التطور داخل مجتمع واحد، وفي وعي بشري محدد؛ فقد أصبح الإسراع في التطور من أجل اللحاق بالبناء ضروريا، لدرجة أن يحدث النسخ في مرحلة واحدة؛ مما يدل على سرعة التغير والتطور في المرحلة الأخيرة، كالعداء الذي يسرع في آخر الخطى لينال السبق والفوز. والنسخ في المرحلة الأخيرة موضوع رئيسي في علم الأصول بشقيه، علم أصول الدين وعلم أصول الفقه، في الحديث عن الأدلة الشرعية الأربعة؛ الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وفي الحديث عن الدليل الأول خاصة، كما ظهر في موضوع التعادل والتراجيح لحل مشكلة تعارض النصوص، فلربما كان أحدهما ناسخا والآخر منسوخا، بل إنه يكون موضوعا مستقلا باسم علم الناسخ والمنسوخ في علوم القرآن، أو كباب في علم أصول الفقه فيما يتعلق بالأخبار، إلا أن للفرق الكلامية عدة آراء فيه، ولكن النسخ هنا مستمد من مادة علم أصول الدين وحده نظرا للتمايز بين العلوم.
والنسخ في آخر مرحلة من مراحل تطور النبوة ليس فقط جائزا، بل هو واقع بالفعل. فهو جائز إسراعا في التطور، وتكييفا للشرائع طبقا لها. وهو واقع بالفعل، يرصده علماء النسخ كشرط لاستنباط الأحكام.
26
ومع ذلك فقد يتم إنكار النسخ إلى أنه «البداء»؛ أي إن الله يبدو له شيء ثم يبدو له شيء آخر، فيتغير علمه وتتغير إرادته، وهو ما لا يجوز على الله. وتغير العلم يعني الجهل، وتغير الإرادة تعني الخديعة، وكلاهما ضد الحسن والقبح العقليين، وضد مصالح الناس؛ قلب الحق باطلا والباطل حقا.
27
والحقيقة أن البداء ليس مشكلة موجودة في الواقع، بل هو وضع لمشكلة المعرفة الإنسانية، مشكلة المظهر والحقيقة. هل العلم مطابق للمظهر أم للحقيقة؟ ولما كان العلم مدفوعا إلى حد الإطلاق بدافع عواطف التأليه، فإنه يكون بطبيعة الحال مطابقا للواقع وللحقيقة، سواء عن وعي وهو تطور العلم بناء على اكتشاف واقع جديد، أو عن لا وعي كما يحدث في الإدراك الخاطئ. فإذا ثبت العلم متغيرا تكون الصفات حادثة، والحدوث في الصفات أقل شرفا من القدم. النسخ أمر شرعي يتعلق بأفعال العباد، وليس بصفات الله، مثل العلم أو القدرة؛ لذلك كان موقف أصول الفقه أسلم بالحديث عن النسخ حديثا وضعيا صرفا؛ أي التطور في الأحكام، لا شأن له بالتغير أو الحدوث في صفات الله. البداء ليس مشكلة في الصفات وافتراض حدوث تغير في العلم، بل هو مشكلة إنسانية خالصة تتعلق بصلة الفكر بالواقع ، كما هو معروف في تاريخ العلم، وفي التجارب الإنسانية القائمة على المحاولة والخطأ. فإنكار البداء إنما يبقي في الحقيقة التنزيه، ولا شأن له بالنسخ، أو بآثار هذا الإنكار على النسخ؛ أي على تطور الحياة الإنسانية. إنكار البداء دفاع عن العلم الإلهي ضد الجهل، ودفاع عن الله وعلمه الضروري غير المكتسب أو المستفاد، دفاع عن العلم الاستنباطي، واعتبار العلم الاستقرائي حطة في شأن العلم الإلهي، دفاع عن العلم الثابت؛ لأن العلم المتجدد تغير ونقص.
28
فإذا كان علم الله تابعا لتغير الواقع يكون السؤال: هل علم الله على شرط؟ والإجابة نفيا تثبت العلم المطلق وتنفي التغير منه، وتضع الشرط في المعلوم لا في العالم، ويكون العلم هنا صفة أزلية، علما مطلقا يحتوي على كل شيء، الماضي والحاضر والمستقبل، لا يتغير بتغير الحوادث، يحتوي على جميع المعلومات؛ وقائع وممكنات، الظاهر منها والباطن.