35
والنسخ أمر لا يتعلق بالتلاوة، بل يتعلق بالأحكام وبالسلوك البشري؛ فالنص مع أنه عمل أدبي يتذوق بالتلاوة، إلا أن النصوص كلها أدب على هذا النحو، لا فضل لنص على نص من الناحية الجمالية، ولكن نص الوحي جمال وتشريع، تذوق وسلوك، كما لا يعني النسخ تغيير الفكر المسجل في لوح أبدي، فتلك صورة فنية الغاية منها إثبات تدوين العلم؛ فالعلم المدون أكثر حفظا من العلم المروي شفاها، أو المحفوظ في الذاكرة، أو المتصور في الذهن ؛ لذلك قامت المعاملات على التدوين في وثائق، ودونت العهود والمواثيق، وكان حظ الكتب المقدسة التي لم تدون ساعة إعلانها، أقل بكثير من ناحية الصحة التاريخية من الكتب المقدسة الأخرى التي دونت ساعة تبليغها. فأم الكتاب أو اللوح المحفوظ صورتان فنيتان للتدوين، وتشخيصان للوحي، وتشبيهان له.
36
وقد يقع النسخ في حكم كلي أو في حكم جزئي؛ طبقا لحاجة التغير ومقدار التكيف مع الواقع؛ فلو كانت الحاجة جذرية والتكيف أساسيا حدث النسخ الكلي، أما لو كانت الحاجة ضئيلة والتكيف صغيرا كان النسخ جزئيا.
37
فالنسخ رفع، وليس تبديلا، كي يأتي حكم آخر خير من الأول، من حيث النفع أو مثله من حيث الكمال، ولكن هل يجوز النسخ في الأخبار كما هو جائز في الأحكام؟ إذا احتوى الخبر على تصور نظري فالنسخ لا يتعلق بالتصورات، فالمبادئ العامة التي يقوم عليها الوحي ثابتة لا تتغير، وإنما التغير في كيفية تطبيق هذه المبادئ في الزمان والمكان، حسب درجة استعداد الواقع، وطبقا لدرجة تحمل الطاقة الإنسانية، أما إذا احتوى الخبر أحكاما فإن النسخ يقع فيها. والنسخ لا يعني البداء؛ أي تغير العلم الثابت أو وقوع الخطأ فيه، بقدر ما يعني تكييف الحكم حسب الواقع، والوحي حسب التطور؛ من أجل تثبيت الشريعة، والمحافظة على التقدم الذي أحرزه الشعور الإنساني بفعل الوحي ودفعاته الأولى.
38
وإذا كان الوحي نوعين، قرآن وسنة، وهناك دليلان آخران إجماع وقياس، فهل يجوز لكل من الأدلة الأربعة أن يكون ناسخا والآخر منسوخا؟ إن الوحي ثابت لا يتغير بإرادة، حتى ولو كانت إرادة المرسل إليه؛ لذلك لا ينسخ القرآن إلا قرآنا، ولا ينسخ القرآن بالسنة على الإطلاق؛ فذاك بيان وتخصيص وليس نسخا. الوحي كما هو موجود في الكتاب قائم لا يمكن نسخه، إما بنفسه أو بسنة.
39
فالنسخ قضية خاصة بتطور الوحي في التاريخ، وقياس النظم على أساس القدرات الإنسانية واستعدادات الواقع، وقد اكتمل الوحي في آخر مرحلة؛ فالمنسوخ الموجود في الكتاب لا يزال قائما، كواقعة، أو كمثل، أو كنموذج، كقانون رخو مماثل لطبيعة رخوة. المنسوخ والناسخ إذن معا واقعة مثالية، وهي تكيف النظم والتشريعات طبقا لدرجة استعداد الواقع. إذا وقع النسخ فإنما يتم داخل كل درجة، الكتاب داخل بعضه بعضا، أو السنة داخل بعضها بعضا، ولكن السنة لا تنسخ القرآن؛ وكيف ينسخ الفرع الأصل؟ والقرآن لا ينسخ السنة؛ فكيف ينسخ الأصل الفرع؟ كيف ينسخ اللاحق السابق، وكيف ينسخ النظر العمل؟ القرآن لا ينسخ السنة؛ لا لأن السنة أصل عليه، بل لأن السنة توضيح عملي لا تحتاج إلى نسخ، والعمل يتغير بتغير الظروف، والسنة لاحقة على القرآن في الزمان. يكون النسخ هنا بيان تفصيل ووجه عبادة، ولا يمكن للقرآن أن ينسخ السنة فكلاهما وحي، وإن حدث فيكون القرآن تصحيحا للسنة وليس نسخا، ولكن يمكن أن تنسخ السنة السنة، ويمكن اعتبار ذلك بيانا مغايرا للبيان الأول، تغيير النظم بتغيير الواقع، وتظل واقعة التغيير نفسها هي النموذج. ولا ينسخ المتواتر إلا متواتر مثله، ولا ينسخ الواحد إلا متواتر أقوى منه، ولا يمكن نسخ المتواتر بالواحد أو الواحد بالواحد؛ فالواحد قد يكون منسوخا، ولكنه لا يكون ناسخا، في حين أن التواتر قد يكون منسوخا بتواتر، ويكون باستمرار ناسخا.