تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22

وقد استطاعت الحركة الإصلاحية الحديثة إدراك تطور الوحي، من خلال مفهوم التقدم، وأن مراحل الوحي الكبرى تنتهي إلى كمال الإنسانية ممثلة في استقلال العقل وحرية الإرادة، وتشبيه الإنسانية بالكائن الحي وأدواره من الطفولة إلى الصبا ثم إلى الرجولة. هناك إذن تواز بين تطور الوحي ورقي الإنسان واكتمال كليهما في آخر مرحلة فيه. أخذ الوحي طابعا تجريبيا تعليميا للإنسان تأكيدا على أهمية التجربة وتكييفا للشريعة طبقا لقدرات الإنسان وطاقته، فإذا ما تحققت غاية النبوة اكتملت؛ فالنبوة وسيلة لا غاية، والوحي طريق وليس نهاية، وتلك كانت الحكمة من التطور والتدريج والمراحل؛

23

لذلك تخاطب الأديان العقل والحس والوجدان؛ حتى تكتمل إدراكات الإنسان، وتزدهر وسائل معرفته. تخاطبه بالعقل وتطالبه بالبرهان، وتجمع بين الحس والعقل، بين التجربة والمنطق، وترفض التقليد واتباع الآباء والأجداد بلا برهان، وتدعو إلى الاجتهاد وإلى إعمال النظر، وتحث على العلم والتفقه، وتجعل العلماء ورثة للأنبياء. ووصل العقل إلى درجة من الكمال في المرحلة الأخيرة، حتى إدراك الذات والصفات والأفعال، وصل إلى أعلى درجة في التنزيه ضد مظاهر التأليه والتجسيم والتشبيه في المراحل السابقة. لقد كان من أهم مهام الوحي توضيح اللبس في النظر، وإزالة الخلط في المبادئ العامة، ورفض الشرك والتوسط والأسرار والتقاليد، وكل ما يعارض العقل من وهم وظن وشك، والتأكيد على الوضوح والتميز والبداهة في النظر والعمل، في العقيدة والشريعة؛ مما يفسر سهولة الإسلام ويسر أحكامه وعدالة شريعته. أصبح الإسلام لذلك دين الفطرة، دين العقل والطبيعة والحرية، ينتشر بسهولة ويسر دون غزو أو قوة أو سيف، وفي نفس الوقت أصبح الإنسان قادرا على التأثير في الطبيعة، وقادرا على الاختيار الحر؛ فاستقلال العقل مطابق لحرية الإرادة، وإعمال النظر متزامن مع الالتزام وتحمل المسئولية. وقد ظهرت ممارسات الحرية في الواقع في نظم الحكم التي سادت في الأندلس، حتى هاجر إليها يهود أوروبا هربا من الاضطهاد الديني، كما ظهر في الحركات الإصلاحية الحديثة الإحساس بالتماثل بين الوحي وبين ما ظهر في أوروبا في عصر التنوير، من إعلاء لمبادئ استقلال الفكر وحرية الإرادة، واعتماد على العقل والطبيعة، وحرص على التقدم ورؤية للإنسان وللمجتمع، وبالرغم من حملة الغرب على الشرق حملة واحدة إبان الحروب الصليبية لمدة مائتي عام، إلا أنهم رجعوا منه بالعلم والفكر، ثم أصلحت أوروبا حالها، واعترف الغرب بفضل الإسلام وما نهل منه، وما كان وراء نهضته الحديثة من عقلانية وتنوير.

24

انتشر الإسلام بسرعة لم يعهد لها نظير في التاريخ؛ لحاجة الأمم إلى الإصلاح، وتعبير الإسلام عن حاجات الجزيرة العربية للوحدة والعدالة، وحاجة العالم القديم إلى مثل جديدة قادرة على إعادة بناء نظمه بعد تهاوي الإمبراطوريتين القديمتين، نتيجة للحروب المتبادلة، وبسبب السيطرة والقهر والتدمير المتبادل. لقد ثبتت الأديان مصالح الناس، وكانت دافعا على تقدمهم وبقائهم في التاريخ، وأصبحت التجارب الإنسانية كلها رصيدا لرقي البشرية، وتحولت الشعائر والطقوس من رموز في الديانات القديمة وحركات صورية، إلى أفعال للأمة؛ للفرد وللجماعة، إلى إصلاح في الأرض ومواجهة الإفساد فيها، إلى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وحفاظ على وحدة الأمة، ومنع للفتن والشقاق والحروب.

ومع ذلك فلم تسلم الحركات الإصلاحية الحديثة من بعض النقائص، بالرغم من تركيزها على دور النبوة في التاريخ كعامل للتطور الإنساني والرقي البشري. فليست النبوة الآن في حاجة إلى إثبات؛ فلا أحد ينكر النبوات، سواء في مراحلها أو في المرحلة الأخيرة، والتحدي الأعظم اليوم هو في تخلف الأمة، التي غاية الوحي فيها هو تحقيق التقدم في مقابل أمم توقفت عند مراحل الوحي السابقة، اليهود والنصارى، وأنكرت خاتم النبوة، ومع ذلك تقدمت اعتمادا على العقل والطبيعة، وممارسة لحرية الإرادة، وإثباتا لحقوق الإنسان والمجتمع. التحدي الآن هو الإجابة على الاعتراض المشهور؛ كيف تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ أو هو الفرق بين الإسلام والمسلمين وكأنهما نقيضان. لقد عرف الغرب الإنسان ووجوده في التاريخ، وهو لب علم أصول الدين في بابيه الرئيسيين؛ العقليات والسمعيات. ما زالت الحركة الإصلاحية الحديثة في حاجة إلى مزيد من الأحكام؛ التركيز على الرسالة دون الشخص، وإعادة اكتشاف الإنسان والتاريخ يتجاوز الأسلوب الأدبي والطرق الخطابية، والتحول الجذري من الأشعرية إلى الاعتزال، ثم من الاعتزال إلى واقع المسلمين؛ حتى لا يظل سوء توزيع ثرواتهم مؤسسا على التفاوت في الرزق بقدر من الله، ولا يبقى للإنسان إلا الإحسان لأخيه الإنسان.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٣٤