18
وقد يكون التفضيل أحد وسائل تقليص عدد الأنبياء والرسل في خمسة وعشرين نبيا ورسولا إلى خمسة فقط، وهم أولو العزم من الرسل، وهم الأنبياء والرسل الذين أصبحوا قادة أمم وزعماء شعوب، وحولوا الرسالة من النظر إلى العمل، من العقيدة إلى الشريعة، وجعلوا الوحي دولة ونظاما للعالم. هم أكثر من الصابرين على البلاء، ذوو الحزم والجد والصبر، نجباء الرسل، بل هم المأمورون بالجهاد وبالقيادة، والقادرون على الزعامة المؤهلون للرياسة، أصحاب السياسة، ومنهم خاتم النبوة، وقد كانت القيادة لشعبين؛ اليهود، فلما فشلت أصبحت للعرب؛ لذلك قد يكون عشرة منهم أولو العزم؛ خمسة عند اليهود وخمسة عند العرب.
19
فإذا كان نوح وإبراهيم وموسى ومحمد أنبياء زعماء، ورسلا قادة، فهل الأمر كذلك عند عيسى؟ يبدو أن أولي العزم ليسوا فقط أنبياء زعماء، ورسلا قادة، بل هي مراحل أساسية في تطور النبوة؛ عيسى للحقيقة، ونوح وموسى للشريعة، وإبراهيم ومحمد للدين الطبيعي. وقد يستبعد آدم؛ لأنه لم يكن له عزم بسبب الغواية. وقد يوضع يوسف وأيوب ضمن الخمسة؛ لأن كلا منهما صاحب بلاء وصمود. ويخضع ترتيب الخمسة إلى التطور الزماني للوحي في التاريخ.
وآخر الشرائع ناسخة لكل الشرائع السابقة، بفعل التطور وارتقاء التاريخ واكتمال النبوة. ولما كانت لا توجد شريعة بعدها فهي ناسخة لا منسوخة، وباقية في التاريخ كبناء بعد اكتمالها كتطور، ولا يعني ذلك استمرار تغير المصالح والمنافع وبقاء الشريعة على ثباتها الأول، بل يعني أن أسسها العامة أصبحت تعبر عن كمال العقل وازدهار الطبيعة، وأن التغير بعد الاكتمال إنما هو في التفاصيل وطرق التطبيق، وذلك متروك للاجتهاد وطرق الاستنباط. أما العقائد النظرية فلا نسخ فيها، مثل التوحيد والعدل والمضمون الاجتماعي للرسالة، ومستقبل الإنسانية (المعاد).
20
ولماذا يخرج عمل الفرد ونظام الدولة، وهما الموضوعان الأخيران في السمعيات، من العقائد النظرية؟ أما سؤال على أي شرع كان خاتم الأنبياء قبل البعثة فهو سؤال شخصي لا يمس جوهر الرسالة، فحياة الرسول قبل البعثة ليست جزءا منها، وحياته بعد البعثة تطبيق لها وليست جزءا من البعثة بذاتها. ومع ذلك فالإجابة على السؤال هي أنه لم يكن على شريعة سابقة، بل كان على دين الفطرة، دين العقل والطبيعة، أصل دين إبراهيم، فشريعة موسى أصبحت منسوخة بشريعة عيسى، وشريعة عيسى لم يتم نقلها نقلا صحيحا ووقع التحريف فيها، والصحيح منها نقله رواة لم تسلم عقائدهم النظرية أيضا من التبديل والتحريف، وفي مقدمتها استبدال التثليث بالتوحيد، والذين سلموا من التحريف النظري قلة لا يبلغ عددهم يقين التواتر.
21
ولا يعني اكتمال الوحي إلغاء الرسالات وإعدام الأنبياء، بل يعني أن العقل هو وريث الوحي، وأن الوحي قد أكمله وبه استقل الشعور، فلا يقال إن الأنبياء اليوم ليسوا أنبياء ولا إن الرسل رسل، وإن رسول الله ليس كذلك الآن؛ لأن ذلك خلط بين مراحل التاريخ. كان الأنبياء أنبياء وكان الرسل رسلا، وأدوا أدوارهم في التاريخ، وتحققت غاية الوحي المرحلية، وهم كذلك الآن تاريخيا، ولكن بطبيعة الحال، لا يظهرون اليوم كأنبياء وكرسل من جديد؛ فقد تطور الزمان، وتحققت الغاية، واكتملت النبوة، وأصبح العقل قادرا على التمييز بين الحسن والقبيح، والإرادة حرة قادرة على الاختيار؛ فالقول إذن خلط في مراحل التاريخ بين الماضي والحاضر، بين الوسيلة والغاية، بين الوقوع والاكتمال، بين التطور والبناء. وإذا كانت الحجة في ذلك أن الروح عرض، وأن العرض يفنى أبدا ولا يبقى زمانين، فإن ذلك يكون خلطا بين المستوى الطبيعي والمستوى الإنساني؛ فالروح ليست عرضا بل هي جوهر مستقل، وهي ليست فانية، بل باقية من حيث هي فكر، كما أنه خلط بين المرسل إليه والرسالة، بين الشخص والمبدأ، فإن فني المرسل إليه فالرسالة باقية تواترا عبر الأجيال، شفاها أو كتابة، نظرا أو عملا، عقيدة أو شريعة، وإن انقضى الشخص فالمبدأ يتمثله الإنسان، وتحققه الجماعات، وتطبقه الأمة، ويكون أساس الدولة.