تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والخلاف عند القدماء في عدد الأنبياء والرسل يتراوح بين 100024 على أكثر تقدير، وبين خمسة وعشرين على أقل تقدير، فالعدد الأول لا سند له إلا الرواية التي قد تصح وقد تضعف تاريخيا، وقد يكون للعدد مدلول رمزي غير مألوف بتركيبه وإن كان مألوفا بجمع أعداده؛ 4 + 2 + 1 = 7، والرسل منهم 313 معتمدا على نفس السند الظني، وله نفس الدلالة الرمزية؛ 3 + 1 + 3 = 7، وقد يكون لذلك سند تاريخي آخر، وهو عدد الذين جاوزوا النهر مع طالوت في قتل جالوت، وعدد أصحاب النبي في غزوة بدر، وإلى هذا الحد تبلغ نسبة الرسل من الأنبياء 1 : 3195 تقريبا، وكأن العقائد النظرية وفي مقدمتها التوحيد أصعب بكثير في الاقتناع بها من الشرائع العملية ، ولكن هناك اتفاق على أن أولهم آدم وأن آخرهم محمد، وعلى أن الكتب أربعة؛ التوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والفرقان على محمد،

16

وهناك شبه إجماع على أن العدد الأصغر وهو 25 هم الأنبياء والرسل المذكورة في القرآن تفصيلا، وكأن نسبة ما ذكر القرآن إلى نسبة ما لم يذكر القرآن 1 : 4001، وكأن القرآن لم يذكر شيئا على الإطلاق، وذلك يدعو إلى مزيد من التشكك في صحة العدد الكبير الأول.

17

ولا يوجد تفضيل نبي على آخر أو رسول على آخر، بل هناك مراحل كمية وكيفية، أساسية وفرعية، تطور مستمر وتطور منكسر؛ أي تطور وثورة في تاريخ النبوة ومسار الوحي. ليس التفاضل بين أشخاص الأنبياء، بل بين رسالاتهم كمراحل متتالية لتطور وحي واحد؛ فتفاضل الرسالات ليس من حيث القيمة، بل من حيث درجتها في تطور الوحي في التاريخ، وقد يتجاوز التفضيل إلى إنكار النبوات أو بعضها، أو يخف إنكارها ويتحول إلى تفضيل، وفي كلتا الحالتين يدل الاختزال أو التفضيل على شعوبية أو قومية، وتعصب كل ملة لأنبيائها والتضحية بكمال الوحي ووحدته من خلال التطور. ومن الطبيعي أن تعتبر كل ملة نبيها آخر الأنبياء وأن لا نبي بعده، أو أن نبيها أفضل الأنبياء وأن لا نبي أفضل منه، وهو على رءوسهم يوم القيامة شهيدا عليهم جميعا. وما هو مقياس التفضيل؟ هل هي طريقة مخاطبة الله للنبي سواء مباشرة أو بواسطة وأفضلية الأولى على الثانية؟ النبوة الرأسية؛ أي صلة الله بالنبي وطريقة الاتصال به لا شأن لنا بها، ولا يمكن معرفتها أو التحقق من صدقها، وما يهمنا هو النبوة الأفقية؛ أي صلة النبي بالأجيال التالية وتبليغها الرسالة وحفظها صحيحة تاريخية بمناهج نقل مضبوطة شفاها أم كتابة، وقد تكون الواسطة أفضل؛ لأنها تدل على رقي أعظم من حيث التنزيه لله ودرجة التطور في النبوة؛ فالاتصال بلا واسطة يعني التشبيه (النار مثلا) في حين أن الواسطة تعني التنزيه (الملك). وهل يكون مقياس التفضيل الأبوة والبنوة ونسب الرسول وسلالته؟ قد يخرج الابن الكافر من الأب المؤمن ، أو الابن البار من الأب العاق. ولا يكون المقياس المعجزات أو الكرامات كيفا أو كما؛ فخاتم الأنبياء ليس له معجزات، وليست المعجزة بالمعنى القديم؛ أي خرق قوانين الطبيعة دليلا على صدقه، وإلا كان عيسى من هذه الناحية صاحب أكبر قدر ممكن من المعجزات، واعتبار خاتم الأنبياء صاحب معجزات بالمعنى القديم هو قراءة للماضي في الحاضر، وليس قراءة الحاضر في الماضي، وإسقاط المعنى القديم للمعجزة على المعنى الجديد لها، وليس قراءة المعنى القديم للمعجزة وتفسيره بالمعنى الجديد لها. المعجزة الجديدة في الإبداع الأدبي الفكري في النظم والتشريع، في النظر والعمل، في العقيدة والشريعة. ولا يكون مقياس التفضيل أيضا درجات الثواب، ومراتب الجنة التي لم تقع بعد، والتي لا نعلم عنها شيئا، والتي هي نتيجة للأعمال، ولكن قد تكون مقاييس التفضيل الخصوص والعموم في الرسالة طبقا لمراحل الوحي؛ فالمرحلة السابقة للخاصة والمرحلة اللاحقة للعامة. قد تكون درجة الانتشار ومقدار النفع الذي تحققه النبوة في التاريخ؛ فكلما كان انتشارها أوسع ونفعها أكبر كانت أقرب إلى الفطرة والعقل، وبالتالي أقرب إلى خاتم النبوة واكتمال الوحي. وقد يكون المقياس هو رتبة النبوة وليس النبي، ودرجة الرسالة وليس الرسول في تطور الوحي، في البداية أم في النهاية، أبعد عن الاكتمال أو أقرب إليه؛ فالفضل يرجع إلى الرسالة وليس إلى شخص الرسول، وأواخر الأنبياء أقرب إلى اكتمال النبوة من أوائل الأنبياء.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٣٢