9
والحقيقة أنها نظرة مثالية طوباوية، تجعل الخاص عاما، وترى أن الإنسانية قادرة على التعليم من نبوة واحدة، وأن الحقيقة النظرية لها الأولوية على التشريع العملي، ولكن في واقع الأمر تحتاج الإنسانية إلى نبوات متتالية؛ حتى تتعلم من تجارب الصواب والخطأ، وحتى تتراكم عندها الخبرات، وحتى تتسع دائرة الخاصة أكثر فأكثر، وتقل دائرة العامة. وقد يتم اختيار إبراهيم وحده دون غيره؛ فإبراهيم أبو الأنبياء، صاحب التوحيد الطبيعي ومؤسس دين الفطرة؛ دين العقل والحنفاء، دين الأخلاق والعمل الصالح والتقوى الباطنية. ولما كان الإسلام دين إبراهيم، الحنيفية السمحة، كان الدين واحدا، والنبوة واحدة؛ الدين الشامل للإنسانية جمعاء، وإن إبراهيم بمفرده كان أمة، ومن يرغب عن دينه فإنه لا يكون موحدا.
10
وهي نظرة طوباوية توحد بين الخاصة والعامة، بين الحكيم والناس. وكم في البشر من إبراهيم؟ وكم من الناس يوحدون على الطبيعة اعتمادا على العقل واستئناسا بالفطرة؟ وإذا كان البراهمة يرفضون نبوة موسى وعيسى، فالتوحيد الطبيعي ليس في حاجة إلى خلاص ولا إلى تشريع، فإن المانوية تثبت نبوة عيسى لإشراقه في النفس، كمعلم داخلي، والذي لا يحتاج الإنسان معه إلى تشريع. والحقيقة أن كل محاولة لإثبات النبوات اللاحقة بعد النبوة السابقة هي في نفس الوقت دليل لإثبات تطور النبوة في آخر مراحلها حتى خاتم النبوة.
11
وقد تتوقف النبوة على شيث وإدريس وعلى كتابيهما، بالرغم من التظاهر بالاعتراف بنبوة عيسى، حتى يعتبروا كالنصارى في الحقوق الاجتماعية.
12
وقد تقتصر النبوة على زرادشت. ولما ضاع معظم أجزاء كتابه التي بها الشرائع، تحول الدين المجوسي إلى دين سري لا يباح منه بشيء، ودخلت فيه الأساطير التي تتحدث عن وحدة أول البشر وأول الرسل مثل آدم. فلما قتله الشيطان خرج من صلبه نطفة غاصت في الأرض ونبتت منها يباستان، فصارتا ذكرا وأنثى؛ أصل البشر جميعا. فإذا سهل فهم اختزال النبوات على بعض الأنبياء العظام، آدم وإبراهيم، فإنه يصعب قصرها على أنبياء للديانات التاريخية تعارض العقل والطبيعة، وتكون أكبر حجة على حاجة الإنسانية إلى نبوات حتى يرقى وعيها ويستقل عقلا وإرادة.
13 (2) جواز النسخ بين المراحل
وقد تحول موضوع النسخ بين المراحل في العقائد المتأخرة إلى أحد موضوعات الإيمان، من حيث الكم وإن لم يكن من حيث الكيف، من حيث العدد وإن لم يكن من حيث الدلالة، من حيث التراكم والتكرار وإن لم يكن من حيث المعنى والتطور. فيجب معرفة الرسل المذكورة في القرآن تفصيلا وغيرهم إجمالا. هناك إذن مجموعتان من الأنبياء والرسل، مجموعة لم يذكرها القرآن ومجموعة أخرى ذكرها، فعدد الأنبياء والرسل في الواقع أكثر بكثير مما ورد في القرآن، فلا توجد أمة إلا خلا فيها نذير، ولكن القرآن قص البعض ولم يقصص البعض الآخر.
14
ربما قص ما هو مخزون في الوعي العربي، وما يتناقله الناس، وما ترسب في أذهانهم، خاصة إذا كانوا موضع تبجيل واحترام مثل إبراهيم، وربما قص ما له دلالة أكثر من غيره حتى يتم التركيز على بعض النماذج المثالية، كما هو الحال في أصول الأحكام، ثم قياس الفروع عليها لاشتراك معها في العلة أو الدلالة، وربما قص البعض رغبة في الاختصار، فيستحيل ذكر عشرات الآلاف من الأنبياء والرسل، وإلا كان مجرد سجل تاريخي لا يستوعبه الناس، ولا يدركون دلالته، واستحال حفظه، وتحول الوحي إلى سجل للتاريخ وحوليات له.
15
فإذا أمكن معرفة مجموعة الأنبياء والرسل التي ذكرها القرآن، فكيف يمكن معرفة المجموعة الأخرى خارج الإشارة العامة عن وجودهم استنباطا من القرآن، وخارج الإشارة إلى عددهم في الأحاديث رغم تفاوتها في درجة الصحة التاريخية؟ هل للأرقام المذكورة مثل 100024 صحيح؟ هل له دلالة رمزية؟ وهل يمكن استنباط أن عدد الأمم السابقة هو مثل هذا العدد، ما دامت كل أمة لها نبي أو رسول؟ وما هي هذه الأمم والأقوام والمجتمعات وأين كانت؟ وماذا كانت نبوات الأنبياء ورسالات الرسل؟ وهل اندثرت كلية أم ما زالت باقية آثارها؟ وهل منها خارج بني إسرائيل والعرب؟ هل منهم من ظهر في شعوب آسيا؛ الصين والهند وفارس؟ هل منهم لاوتزي وكونفوشيوس وبراهما وماني؟ هل منهم حكماء الصين والهند وأنبياء فارس الذين نادوا بالتوحيد وبالعمل الصالح وعزفوا عن الدنيا وزكوا الروح؟ هل ظهر البعض في أفريقيا أو في الأمريكتين؟ وما أكثر الديانات في القارات الثلاث والحضارات التي قامت على أسسها؟ وإذا كان أولو العزم من الرسل المذكورة في القرآن، فهل يمتد الأمر ويتسع ويصبح كل زعيم وقائد ومرشد وكبير للقوم وساحر ومعلم وفاضل نبيا أو رسولا؟ هل يصبح كل من يحمل دعوة أو رسالة نبيا، وكل محارب ومقاتل ومجاهد وقائد ورئيس رسولا؟