وقد سمى القدماء ذلك «النسخ»، ولا يعني النسخ فقط تبديل آية بدل آية، كما هو الحال في آخر مرحلة من مراحل الوحي، بل ظهور وحي تابع لوحي آخر، وظهور نبوة بعد نبوة. يعد النسخ هنا بين مرحلة وأخرى، وليس بين آية وآية داخل نفس المرحلة. هو النسخ العام وليس النسخ الخاص، نسخ النبوة وليس نسخ الآية، نسخ المسيحية لليهودية، ونسخ الإسلام للمسيحية مثلا. والنسخ لا يكون إلا في الشرائع والنظم والعبادات والأعراق، أما في العقائد فلا يوجد نسخ؛ فالقوانين النظرية واحدة لا تتبدل، أما كيفية ممارساتها وتطبيقاتها وصياغاتها في قوانين وتشريعات، فهي التي يقع فيها النسخ. لا يعني النسخ إذن الإبطال والإزالة، بل يعني التطور والتقدم وتكييف الشريعة طبقا لدرجة تقدم الوعي البشري في الأصول والفروع، ودفعها درجة أخرى إلى الإمام إسهاما في عملية الإسراع في التطور؛ من أجل الوصول إلى تحقيق الغاية من الوحي، وهو استقلال الوعي الإنساني عقلا وإرادة، في حين أن النسخ في آخر مرحلة يتوجه فقط إلى الفروع دون الأصول.
ولم يقتصر القدماء على ديانات الوحي المذكورة فيه فحسب، بل ضموا إليها الديانات البشرية الأخرى، التي قد تكون في أصلها نبوات إلهية، أو تكون نبوات إنسانية صرفة؛ لذلك لا يقتصر القدماء على الحديث عن اليهودية والمسيحية والإسلام كبرى المراحل، بل أيضا عن البراهمة والصابئة والمجوس، خاصة وأن لهم مواقف بالنسبة لديانات الوحي، ويعترفون بأنبيائهم ويقرون بنبواتهم.
1
وقد تعرض القدماء للفرق والديانات التي عرفها العرب والمسلمون؛ فاليهودية والمسيحية فرق عربية، ولا شأن لها باليهودية والمسيحية كما عرفها الغرب بعد ذلك، ثم نقلنا نحن معرفتها بهم منه، اللهم إلا إذا كان هناك استمرار بين الفرق العربية القديمة والفرق الغربية الحديثة. الفرق اليهودية والمسيحية هي الفرق داخل الحضارة وليس خارجها، وكذلك البراهمة والصابئة والمجوس هي الفرق التي عرفتها الحضارة وانتشرت داخلها بعد أن تحول أصحابها إلى الدين الجديد، أو بقى البعض منهم على دياناتهم القديمة، أو عرفها المسلمون فقط تاريخيا إثر الترجمة ومعرفة ديانات الأمم السابقة ومللها، سواء كانت بلادها مفتوحة أو لم تفتح بعد، واقتصر الأمر على نقل تراثهم. وأخذ القدماء معارفهم عن الديانات القديمة من مصادرها الأولى؛ أي من الكتب المقدسة لكل دين وملة، وليس من كتب تاريخ الفرق القديمة، أو رواية وسماعا دون التحقق من المصادر؛ وبالتالي فإن معرفتهم بها موثقة، وليست كمعرفتنا نحن بآراء الخصوم وفرق المعارضة، التي لا نعلمها في الغالب إلا من كتب تاريخ الفرق التي كتبتها الفرق الناجية. ويثبت القدماء نبوة كل الأنبياء وكل مراحل الوحي السابقة؛ دفاعا عن اكتمال الوحي وشموله ضد منكري إحدى مراحله نيابة عن باقي الفرق، فكأنهم يقومون بعملهم وبعمل غيرهم، وكأن آخر مرحلة هي الأمينة على شمول الوحي واكتمال النبوة، وهي القادرة على تبني الوحي في تمامه وكماله حرصا عليه، وليس دفاعا عن قوم أو ملة أو عنصر أو جنس، وتنكرا للأقوام والملل والشعوب الأخرى؛ فكل ملة تقطع مراحل الوحي وتوقفه عندها، وآخر مرحلة تعترف بالمراحل جميعا، ولا توقف الوحي إلا عند اكتمال النبوة وتحقق غاية الوحي في التاريخ، وقد قام بذلك البعض دون البعض، سواء في نشأة الحضارة أم في ذروتها، في المشرق أو في المغرب؛ فقد بدأت الأمم المغلوبة بعد الفتح التوجه إلى الدين الجديد من الخلف، بعد أن عجزت عن مواجهته من الأمام بنشر دياناتها السابقة وعقائدها القديمة في حضارة تقوم على التسامح الديني والحوار الفكري وتعدد الأديان.
2 (1) هل يستحيل النسخ بين المراحل؟
إذا كان من الممكن تناول موضوع النبوة إمكانا ووقوعا على نحو نظري خالص، فإنه يصعب فعل ذلك حين الحديث عن تطور النبوة؛ فما دام الأمر مع التاريخ فلا بد من أسماء أنبياء وأسماء فرق ومذاهب، ويتحول علم أصول الدين بالضرورة من علم للعقائد إلى علم للفرق. وتطور النبوة إنما يعني بتعبير اصطلاحي «النسخ»؛ فالتطور يعني المراحل، والنسخ هو أحد أشكال العلاقات بين هذه المراحل. ولما كانت النبوة متطورة، وكان الوحي قد وقع على مراحل عدة، كان من الضروري أولا إثبات النسخ ضد منكريه وهم اليهود، وتنكر اليهود النسخ لأنها تتضرر منه مرتين؛ مرة بنسخ المسيحية لليهودية، ومرة بنسخ الإسلام للمسيحية؛ ومن ثم كانت المحاولات لإثبات النسخ (بالإضافة إلى التحريف الذي تشارك فيه المسيحية) موجهة أساسا ضد اليهود مع تعديد فرقهم المختلفة، وهم قسمان؛ القسم الأول أبطل النسخ ابتداء كاستحالة عقلية ولم يجعله ممكنا؛ إذ يستحيل أن يأمر الله بشيء وينهى عنه، فينقلب الحق باطلا والباطل حقا، وتتحول الطاعة إلى معصية والمعصية إلى طاعة، ويوقع الله في الجهل والندم، ويحدث تغيرا في العلم الإلهي، وتقلبا في الإرادة الإلهية، وهو سؤال البداء: هل يجوز البداء على الله؟ ولكن نظرا لاختلاف الفرق اليهودية فيما بينها حول النسخ فيما يتعلق بأي النبوات تنسخ، فلم تفصل في هذه الحجة الأولى، حجة البداء، ولكن فصلت فيها الفرق الإسلامية المنكرة للنسخ طبقا لهذه الحجة النظرية المبدئية.