تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53

وهناك عديد من الشواهد النقلية تدل على وجوده، ترتكز على وقائع تاريخية محددة كانت أسباب النزول.

54

والسحر نوعان؛ الأول: ما يأتي من قبل الكواكب من خلال الطلسمات في التأليف بين الطبائع، والثاني: هي الرقى، وهو كلام مكتوب من حروف مقطعة غدت قوة تثير الطبائع.

55

فإذا كان السحر يشارك المعجزة والكرامة في أن الكل خرق لقوانين الطبيعة وهدم لبداهات العقول، أصبح الفرق بينهم في الدرجة لا في النوع، فإذا كان فاعل المعجزة هو الله مباشرة أو من خلال النبي، فإن فاعل السحر هو الجن والشياطين؛ وبالتالي يزداد الأمر غموضا في المجهول. وإذا كانت المعجزة خارج نطاق القدرة الإنسانية فإن السحر يكون من مقدورات البشر، ويكون الله قادرا عليه. السحر نوع من القدرة الخارقة في حدود القدرة البشرية، وتمن مستمر للإنسان أن يكون أقدر مما هو عليه إن استعصت عليه الحيل، وانقطعت به السبل. وإذا كانت الحيلة من أنواع السحر تظل المعجزة من الله والحيلة ليست كذلك، وتظل المعجزة حادثة خارقة للطبيعة في حين قد لا تكون الحيلة كذلك يمكن تعلمها، وهناك علم بأكمله للحيل. وإذا كانت المعجزة لا يقع فيها الاشتراك بل تظل خاصية فريدة للنبي، فإن الاشتراك يقع في الحيل. وإذا كانت المعجزة للأنبياء وحدهم فإن الحيل لأهل صناعة الحيل. وإذا كانت المعجزة تحديا لأهل الصناعة فإن الحيلة ليست كذلك لهم،

56

ولكن تستعمل المعجزة لغة السحر إذا كان العصر عصر سحر؛ فالمعجزة إنما تأتي بلغة العصر وطبقا لمستوى علومه،

57

ولكن يظل يغلب عليهما معا أنهما خرق لقوانين الطبيعة، وتغير في جواهر الأجسام، حتى إذا توجهت المعجزة أساسا إلى الجواهر يتوجه السحر أساسا إلى الأعراض.

58

وبالرغم من أن الكرامة أيضا كالمعجزة وقضاء حاجات، ولا تظهر إلا على ولي تقي فاضل، فإن السحر شر لا يظهر إلا على فاسق؛ فالتعارض بين الكرامة والسحر مثل التعارض بين الخير والشر.

59

وطبقا لهذه الفروق بين المعجزة والكرامة من ناحية والسحر من ناحية أخرى لا تكون المعجزة سحرا.

60

والحقيقة أن الفرق بين المعجزة والسحر ليس كبيرا، ما دام كلاهما خرقا لقوانين الطبيعة وإنكارا لبداهات العقل.

61

كلاهما يقوم في الشعور على بناء واحد، وكلاهما يؤدي وظيفة واحدة. وإن اعتبار المعجزات حيلا ومخاريق رد فعل طبيعي على اعتبارها وقائع حدثت بالفعل، فكل منهما رد فعل على الآخر، وهي في الحقيقة صور فنية للتأثير على النفوس والإيحاء بالمعاني.

62

إن الطبائع لا تتغير لا بفعل المعجزة ولا تحت أثر السحر. هناك خواص للأشياء لا يمكن التحايل عليها أو سحرها إلا بخداع الحواس والإيهام. ليس هناك عين أو رقى؛ فالعين مجرد حدوث شر للآخر بناء على استكثار الخير له، ودون هذا الحكم النفسي من الذات فلا حكم بالشر على الواقع. أما بالنسبة للرقى فلا وجود لقدرة للكلام الكتابي المدون، مقطعا في حروف أو مجمعا في جمل. لا أثر للكلام إلا من خلال الصوت والتعبير والجهر بالقول، أو بتنفيذه في أحكام عملية وسلوك فعلي. وقد قامت إحدى الحركات الإصلاحية من قبل برفض الرقى والتماتم والأحجبة. إن ما يسمى سحرا هو تفاعل كيميائي في الظواهر الطبيعية، طبقا لقوانين التفاعل التي يسميها الجاهل بها سحرا، كما أن الحقائق تقوم على التمييز بين الواجب والممكن والمستحيل، وهي من بداهات العقول. السحر كالمعجزة نفي لقوانين الطبيعة، وزعزعة لثقة الشعور بالطبيعة والعقل، وجعله خاضعا لصاحب السلطة والأثر.

| رابعا: تطور النبوة

لم يظهر الوحي مرة واحدة، بل وقع على مراحل؛ لا توجد إذن نبوة واحدة، بل عدة نبوات متتالية منذ أول الأنبياء وهو أول البشر، آدم، حتى آخر الأنبياء، دون أن يكون آخر البشر، محمد. فما الصلة بين مراحل الوحي السابقة؟ وما الصلة بين هذه المراحل جميعا وآخر مرحلة التي بها خاتم النبوة؟ ما صلة السابق باللاحق واللاحق بالسابق؟ هل صلة تقدم واكتمال، تغير وثبات، تطور وبناء؟

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٢٧