تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

والقسم الثاني أجاز النسخ، ولكنه أنكر وقوعه في نبوته وإن وقع في نبوات الآخرين، واعتمادا على حجة نقلية من موسى يحرم فيها وقوع النسخ في التوراة. الفرق اليهودية كلها تثبت النسخ، ولكنها تختلف في المنسوخ ومداه ووجهته.

إن جواز النسخ عقلا وعدم وقوعه نقلا يجعل العقل معارضا للنقل، كما يجعل الجواز العقلي فارغا بلا مضمون ما دام لا يقع، في حين أن الجواز العقلي والإمكان الواقعي شيء واحد، والاعتماد في ذلك على النقل يضعف من الجواز العقلي، فالمعارض العقلي أقوى من النقل؛ وبالتالي إن نقل عن موسى قوله إن شريعته آخر الشرائع فإنه يكون معارضا بالعقل؛ لأن نبوة موسى إحدى مراحل الوحي، وهناك فرق بين وقوعه سمعا وعدم وقوعه نقلا؛ فقد يقع سمعا ولا ينقل، وعدم نقله لا ينفي عدم وقوعه، فإن وقع ونقل؛ أي فإن قاله بالفعل فقد يعني ذلك مجازا بأن شريعته شريعة عظيمة، وأنه ليس في الشرائع أعظم من التوراة. والتوراة بالفعل لا تنسخ؛ لأنها تحتوي على مجموع القيم الإنسانية العامة، وأعيد تثبيتها في شريعة عيسى كليا وفي شريعة الإسلام جزئيا. ويمثل هذا القول خطورة أعظم إذا ما تم الانتقال من نسخ الشرائع إلى نسخ النبوات، ومن عظمة التوراة وشريعتها التي لا تنسخ إلى إنكار النبوات التالية لموسى، مثل نبوة عيسى ونبوة الإسلام. ويبدو أن الهدف من إنكار النسخ ليس التمسك بشريعة التوراة اعتمادا على قول موسى، بل إنكار لنبوتي عيسى والإسلام؛ لأن من اليهود من يقر بنبوات تسعة عشر نبيا بعد موسى. وقد يكون الدافع الأول والأخير هو إنكار نبوة الإسلام، وليس نبوة عيسى الذي يثبت شريعة التوراة ويعمل بها، ولكن فقط يجددها من الداخل ويعيد إليها روحها وتقواها الباطنية، فلو جازت نبوة الإسلام لجاز نسخ الشرائع قبله؛ وبالتالي تبطل شريعة التوراة مع أن نبوة الإسلام تثبتها. والنسخ في الحقيقة ليس رفعا، بل تبديل حكم بحكم آخر مثله أو خير منه، وكل نظرة تراثية تأخذ بأقوال الأحبار فإنها ترفض النسخ، فالنسخ تجديد في حين أن أقوال الأحبار تقليد.

4

وقد ينكر نسخ الشرائع عقلا وسمعا؛ فنسخ الشرائع محال عقلا وجاء السمع بتأكيد حكم العقل. وهو موقف أكثر اتساقا من جواز النسخ عقلا وامتناع نقله سمعا. وتقوم الاستحالة العقلية على بعض المقولات الإسلامية التي كانت سائدة بالأندلس، سواء عند بعض الفرق الإسلامية، مثل البداء وتجويز الجهل على الله، أو في علم أصول الفقه باستحالة نسخ الأشياء قبل امتثاله وقت فعله، فالشريعة اليهودية كانت متمثلة منذ موسى، وكان وقت فعلها قد حان، ومثل نسخ الأخف بالأثقل على سبيل العقوبة للمكلف، وشريعة عيسى وشريعة الإسلام ليست بأثقل من شريعة التوراة إن لم تكن أخف. ويظهر الأثر الإسلامي على هذه الفرقة اليهودية في أخذها التوراة وحدها وما في كتب الأنبياء، وتكذيب أقوال الأحبار. أما النقل عن موسى فسنده ضعيف، وإن صح فمعناه مشروط بعدم خلو نبي آخر، فإن بطل استحالة النسخ عقلا وشرعا صح جوازه.

5

وقد يكون الهدف من النسخ التوقف عند مرحلة دون مرحلة، والاعتراف بنبي وإنكار نبي آخر، وهو ما يعارض مسار التطور والهدف من توالي النبوات. قد تعظم مرحلة بالنسبة إلى أخرى، وقد تشير مرحلة إلى تغير كيفي بينما تشير الأخرى إلى مجرد تغير كمي؛ لذلك كانت نبوة موسى وهارون ويوشع لا يمكن إنكارها؛ فموسى صاحب التوراة، وهارون صاحب المعبد والخلافة، ويوشع غازي الأرض والآخذ بيد اليهود من التيه والمستقر في فلسطين. فبينما تقصر النبوة لقصورها على أنبياء «الشريعة والأرض» توسع لتصبح كل من تظهر عليه المعجزات من أجل رد الاعتبار لباقي الأنبياء من بني إسرائيل، ثم تعتبر المعجزات في حالة عيسى ومحمد حيلا ومخاريق تبطل نبوتيهم، ثم يستثنى عيسى كنبي صادق بأنه لم يظهر بعد، وأنه سيظهر في نهاية الزمان. ونهاية الزمان على الأرض؛ لأنه لا يوجد بعث وحياة بعد الموت. ونظرا للخلاف التاريخي حول التوراة، فقد يكون لكل فرقة توراتها، تقرأ فيها عقائدها، وترى فيها نفسها، فالتوراة هي السجل التاريخي لكل فرقة. أما أرض المعاد فالشام وليس فلسطين، ونابلس وليس القدس، ما دام سليمان ليس نبيا؛ مما يدل على أن القدس لم يكن لها هذه الدلالة التي لها الآن في اليهودية، لا قبل سليمان ولا بعده.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٢٩