تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

44

ولكن ما فائدة الكتمان؟ وكيف يعرف الناس الكرامة ما دامت مجهولة، لا تتعدى غاية الكرامة إلا الثقة بالنفس، والفرح بالذات، والرضا عليها، وبث الطمأنينة فيها، وإدخال السعادة عليها، ويظل السؤال ألا تظهر الكرامة على يد الفاسق، كما تظهر النبوة على يد النبي الكذاب؟ كيف السبيل إلى التفرقة بين الكرامة الحقة والكرامة الكاذبة؟

والحقيقة أنه لا فرق بين المعجزة والكرامة، من حيث إن كليهما يؤديان إلى خرق قوانين الطبيعة وإنكار أوليات العقل.

45

وقد تجرأت الحركة الإصلاحية الحديثة على نفي الكرامات وخوارق العادات على يد الأولياء، وإثبات المعجزات وخوارق العادات على يد الأنبياء وحدهم،

46

وقد قامت بذلك اتكاء على الموقف الاعتزالي الوسط القديم؛

47

فلو جازت الكرامة لبطلت دلالة المعجزة على النبوة، وضاع التخصيص، ولجاز ظهورها على غير النبي ما دامت عامة وشائعة. لو صحت كرامات الأولياء لبطلت معجزات الأنبياء، ولو جاز اختراق العادات من كل وجه لجاز اختراقها من كل وجه، لا فرق في ذلك بين كرامة ومعجزة، وينتهي الأمر إلى التشكك في قوانين الطبيعة ووجود الإنسان في عالم يحكمه الوهم وتسيره الرغبات المكبوتة.

48

وإذا كان الإنسان قادرا بالدعاء على التأثير في الطبيعة سرا من خلال فعل الله وهي الكرامة، فالأولى أن يكون قادرا على التأثير فيها مباشرة عن طريق الفعل علانية أمام الناس وعلى رءوس الأشهاد، وليبقى عملا رائدا وسنة للناس، حاضرا في التأريخ. وإن تجرأت الحركة الإصلاحية على إنكار الكرامات، فإنها ما زالت تثبت المعجزات مع تساويهما في خرق قوانين الطبيعة، وقلب لمجرى العادات، وإخلال للقواعد بالرغم من وجود أصل قديم لنفي المعجزات حرصا على إثبات قوانين الطبيعة.

49

ولماذا الدفاع عن خرق العادات؟ وأيهما أفضل؛ أن نعيش في عالم له سنن وقوانين، يوثق به ونتحكم فيه، أم نعيش في عالم لا يحكمه قانون ولا يوثق بنظمه؟ وإذا كانت المعجزات تصح فقط في هذا العالم دون أي عالم آخر، حيث تسود فيه الإرادة المطلقة بلا طبيعة، فكأن الهدف من المعجزة هو القضاء على الطبيعة وعلى قوانينها الثابتة في هذه الدنيا، حتى تضطرب حياة الناس، فيستسلمون للقوة القاهرة القادرة على كل شيء، بما في ذلك الطبيعة التي استعصى على الناس فهمها والسيطرة عليها. وهل خلق السموات والأرض على هذا النظام شبيه بخوارق العادات؟

50

وهل تثبت قدرة الله بالضرورة بخرق العادات، والأقرب إلى الحكمة أن تثبت بالنظام وسنن الكون؟ والرسول نفسه لا يخرق الطبيعة ولا تنخرق قوانين الطبيعة فرحا له أو حزنا على موت أبنائه. ولماذا تستغل نتائج العلم وقوانينه الحديثة مثل اللاتحدد لإثبات المعجزات وإنكار قوانين الطبيعة، وهي قوانين متغيرة تثبت اليوم ما تنفيه غدا، وتنتفي بالأمس ما تثبته اليوم، وتجعل الدين ملحقا للعلم وتابعا له؟ إن وجود ظواهر شاذة في الطبيعة إنما تحدث وفقا لقوانين أخرى أعم منها وأشمل؛ فالمعجزة حادثة طبيعية تحدث وفقا لقوانين أخرى أعم منها وأشمل؛ فالمعجزة حادثة طبيعية تحدث وفقا لقانون طبيعي نجهله حتى الآن. المسألة إذن مرهونة بتقدم العلم، وتاريخ المعجزات جزء من تاريخ العلم وتقدمه.

51 (ب) المعجزة والسحر

ولما كانت المعجزة خرقا لقوانين الطبيعة فإنها تقترب من السحر والشعوذة والمخاريق والطلسمات والحيل، فهي كلها خرق لقوانين الطبيعة وهدم لبداهات العقل وشهادة الحس إن حقيقة أو خيالا، واقعا أو إيهاما؛ فالسحر عند البعض موجود وثابت، فيرتقي الساحر في الهواء أو يقلب الإنسان حمارا؛ فالسحر قلب للأعيان، وإحالة للطبائع حقيقة ليس خداعا، وكل من يثبت المعجزة بهذا المعنى، فإنه يثبت السحر على هذا الأساس.

52

ولا فرق بين السحر والعين فكلاهما ثابت موجود،

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٢٦