وتظهر المعجزات على أيدي الصالحين والأولياء ظهورها على أيدي الأنبياء، وفي هذه الحالة تسمى كرامات، ومع ذلك فهي لا تثبت نبوتهم، بل قد تضادها أفعال أخرى تجر إلى إسقاط الشرائع وإبطال التكاليف، وتؤدي إلى تعدي الحدود وإيقاف الأحكام.
35
أما الولاية فتعني العامة فعل الأوامر واجتناب النواهي، وهي نوعان؛ الولاية العامة وهي مكتسبة بإرادة الإنسان ومجاهداته، والولاية الخاصة وهي العطايا الربانية كالعلم اللدني ورؤية اللوح المحفوظ، ذاتية خالصة لا دليل عليها يمكن بواسطته التيقن من صدقها.
36
كما تظهر المعجزات أيضا على أيدي الخادعات للأعداء، مثل الشياطين التي تتشكل في صور مألوفة لتوسوس للإنسان وتخدعه، وفي هذه الحالة لا تكون المعجزات خاصة بالأنبياء وحدهم، بل بالصالحين والأولياء والأعداء، ويستحيل بعدها معرفة هل هي دليل على النبوة أم على الولاية أم على العداوة، وهل هي دليل على الصدق أم تساوى فيها الصدق والكذب، النبي والمتنبي؛ لذلك قد تخصص ظهور المعجزات على الأولياء بالكرامات، وتبقى المعجزات للأنبياء، والكرامات للأولياء.
37
والكرامة تيسير لأسباب الخير وتعسير لأسباب الشر،
38
وهذا عود من جديد لمسألة الحرية الإنسانية لأفعال الشعور الداخلية، وكأن المعجزة أو الكرامة هما نيل من أحد مكتسبات العدل، ورجوع إلى الوراء من جديد. تفسر الولاية وكأنها التوفيق والطاعة والعون؛ أي تدخل الله إيجابيا في أفعال الشعور الداخلية في حرية الأفعال، أو تعبيرا عن الواجبات العقلية مثل الصلاح واللطف، فالولاية قضاء للحاجة وتفريج للكرب. الولاية توقع حدوث شيء نظرا لشدة الحاجة إليه، ثم بعد حدوثه بالفعل يشعر الإنسان أنها ولاية مع أنها شدة الحاجة بعد انقضائها، ولو لم تكن الحاجة ملحة والانتظار طويلا لكانت حادثة عادية.
39
ومع ذلك هناك فروق بين المعجزة والكرامة. تظهر المعجزة على يد النبي بينما تظهر الكرامة على الولي، فالفرق بين المعجزة والكرامة هو الفرق بين النبي والولي أو بين النبوة والولاية، ومن صدق بالمعجزة صدق بالولاية، ومن آمن بالأنبياء آمن بالأولياء، ولكن كيف يوضع النبي على مستوى الولي، والنبوة على مستوى الولاية، والمعجزة على مستوى الكرامة؟ أليس ذلك حطة من النبوة ورفعا للكرامة؟ وإذا كانت المعجزة لتصديق النبي فإن الكرامة لقضاء الحاجة؛ فغاية المعجزة دينية في حين أن غاية الكرامة عملية، وإذا كانت الغاية من المعجزة دينية، أي الإيمان بالله، فإن الغاية من الكرامة أخلاقية، أي التقوى والعمل الصالح، وإذا كان صاحب المعجزة معصوما ، فإن صاحب الولاية ليس كذلك،
40
وإذا كانت المعجزة من فعل الله أكثر من فعل النبي، فإن الكرامة من فعل الولي أكثر من فعل الله أو النبي، وقد يكون للكرامة بهذا المعنى ميزة على المعجزة، وهي أنها من فعل الإنسان، وتثبت قدرته على التأثير النفسي، وكيف أن التركيز على الشعور يخلق موضوعه، سواء حقيقة أو مجرد إيحاء بذلك للآخرين؛ لذلك تقع المعجزة ضرورة بينما تقع الكرامة ضرورة أو اختيارا.
41
وإذا كانت المعجزة يراها كل إنسان، فإن الكرامة لا يراها إلا الولي. رؤية المعجزة عامة لكل الناس بينما رؤية الكرامة خاصة للولي وللأولياء. فائدة المعجزة إذن عامة في حين أن فائدة الكرامة خاصة.
42
وإذا كانت المعجزة تقع في كل وقت يريده النبي، فإن الكرامة تقع في وقت مخصوص يريده الله، ومع ذلك المعجزات قبل البعثة كرامات؛ لأن المعجزات دليل على صدق النبوة، والبعثة لم تكن قد بدأت بعد.
43
وإذا كان الإعلان عن المعجزة واجبا حتى يراها الناس ويصدقوا النبي، فإن كتمان الكرامة ضروري. المعجزة تتطلب المعارضة والتحدي، وبالتالي الإعلان عنها ضروري، في حين أن الكرامة ليست كذلك، فتظل طي الكتمان، وقد يطلع الله عليها بعض عباده المخلصين،