29
والقلم جسم عظيم يتناسق مع الكاتب واللوح وعظم المادة المكتوبة، مصنوع من نور، فالنور مادة شفافة، والشفاف أرقى من المعتم. وقد يكون مصنوعا من اليراع، وهو القصب؛ حتى يكون أسوة بقلم الدنيا الذي يستعمله الخطاط لتحسين الكتابة وتجميلها. يخط كل شيء، وكأن القلم جبري يتفق مع عقيدة الجبر؛ فالجبر في الأفعال يتفق مع التجسيم في أمور المعاد. وهذا يتناقض مع صحائف الأعمال عند الكتبة الذين يكتبون علما بعديا، في حين يكتب هذا القلم علما قبليا. والعلم القبلي الذي أمر الله بكتابته أشرف من العلم البعدي عند الكتبة.
30
والكاتبون هم الذين يدونون ما في صحف الملائكة الموكلين بالتصرف في العالم كل عام أولا بأول، ثم يدونون كتابا واحدا به جميع ما كتبوا في الصحف المتفرقة، ويضعونه تحت العرش. هناك إذن ثلاثة كتب: صحف الأعمال التي يدونها الملكان في الدنيا، وصحف الملائكة التي يكتب فيها الكاتبون أوامرهم كل عام، وكتاب تجمع فيه هذه الأوامر تحت العرش، نسخة أخرى جامعة عند الله في خزانته.
31
أما اللوح فإنه ليس للكاتبين ولا للكتبة؛ لأنه لا يكتب فيه أحد من الملائكة بالقلم على قرطاس، وبمداد وخط، ولكن يكتب فيه بمجرد القدرة الإلهية. مصنوع أيضا من نور، فالنور أشرف من الظلام، وله وجهان؛ أحدهما به ياقوتة حمراء، والآخر به زمردة خضراء؛ أي إنه قلم مزركش مثل أقلام الأغنياء وعلية القوم، وهو أشرف من أقلام الرصاص أو الأقلام الجافة عند عامة الناس، تتهادى بها النخبة، وتوقع بها المعاهدات بين الدول . واللون الأخضر لون قدسي، لون عمامة النبي ووشاح الصوفي وبيارقه، واللون الأحمر لون الشفق والفورة والهيجان،
32
وهما الحجران الكريمان نفسهما الموجودان في العرش. يكتب فيه العلم القبلي، العلم الإلهي قبل أن تقع الحوادث، ويكتبها الكتبة في صحف الأعمال كعلم بعدي. هناك إذن أربعة كتب من الأدنى إلى الأعلى: صحف الأعمال يكتبها الكتبة كعلم بعدي بعد حدوث الأفعال، وصحف الملائكة التي يكتب فيها الكاتبون أوامر الله لهم كل عام، ينقلونها من اللوح المحفوظ كنوع من تكليف الأعمال، والكتاب الذي تجمع فيه هذه الأوامر كلها ويوضع تحت العرش في خزائن الله، وكما يحدث في الدنيا في أرشيف صاحب العمل أو رئيس الديوان، وأخيرا اللوح المحفوظ الذي تضع فيه القدرة الإلهية العلم الإلهي مدونا، فيكون في الأعيان وليس فقط في الأذهان. وإن دعوة القدماء بالإمساك عن الجزم عن اليقين تعني أن كل ذلك قياس للغائب على الشاهد، ورجم بالغيب. (4) الصراط
والصراط هو الطريق إلى الجنة أو إلى النار بعد انتهاء الحساب والحكم بالثواب أو العقاب، وكأن المؤمن أو الكافر لا يستطيع أن يدخل كل منهما الجنة أو النار مباشرة ومن أوسع الأبواب، بل لا بد للمرور في طريق هو الصراط، خروجا من قاعة المحكمة إما إلى العالم الفسيح إذا كان بريئا، أو إلى ظلمات السجن إذا كان مذنبا. قد يكون ذلك إجحافا بالمؤمن الذي يود أن يقفز من قاعة المحكمة إلى رحابة العالم دون المرور بالصراط، وحتى لا يتساوى مع الكافر الذي يستحق السير في الدهليز الطويل. وكما يكون ممدودا إلى الجنة والنار، فإنه قد يكون ممدودا بينهما مثل الأعراف، وقد يكون ممدودا إلى النار فقط، وقد يكون منصوبا فوق جهنم، وقد يكون ممدودا بين النار والجنة؛ النار أولا والجنة ثانيا. والأفضل أن يكون منذ مخرج القاعة معبران؛ معبر للمؤمنين ومعبر للكافرين؛ حتى لا يختلط المؤمن بالكافر بعد الحساب. وقد يكون الصراط بين ظهراني جهنم، وليس معبرا فوقها.
وفي هذه الحالة، ما ذنب المؤمن كي يسير فيه ويمر إلى الجنة من خلال جهنم ؟ الأقرب ألا يمر عليه الكفار، بل يذهبون إلى النار قذفا أو تعذيبا إلا إذا كان المقصود العذاب البطيء، وألا يمر عليه المؤمنون إلا إذا كان المقصود تشويقا إلى الجنة وتمرينا لهم على النعيم؛ حتى لا يصابوا بصدمة عصبية عند رؤية الحور العين. وقد يكون الصراط طريقا واحدا يتشعب إلى طريقين؛ طريق يمنى وطريق يسرى. الأول لأهل السعادة، والثاني لأهل الشقاء.