24
والحقيقة أن هناك اشتباها بين جعل الكتابة بكاتبين وآلة وقرطاس ومداد، وجعلها كناية عن الحفظ والعلم. وقد يصل التشبيه إلى حد جعل الملكين معلقين على ناجذي الإنسان أو عاتقيه أو عنقه أو ذقنه. وقد تتعدد الكتب؛ فهناك كتب أعمال العباد، وهناك كتب اللوح المحفوظ، وهناك كتب الملائكة التي بها أوامر التصرف في العالم. صحف الحفظة موضوعة تحت العرش رمزا للحفظ في الخزانة. وما الحاجة إلى كل هذه الكتب والتدوين البعدي فيها بعد وقوع الحوادث، واللوح المحفوظ قد دون فيه كل شيء من قبل؟ إن الهدف من كل ذلك هو مجرد تصوير فني للرقابة على النفس، ومعرفة النفس بكل أفعالها لتذكر الإنسان بأن كل شيء معروف، وأنه لا أسرار هناك تكتم وتخفى. ويحدث ذلك خاصة بالنسبة لأفعال الحلال والحرام، أو حتى أفعال الندب والكراهة. أما أفعال الإباحة فإنها لا تكتب؛ لأنها لا تتطلب رقابة نفسية، بل مجرد تعبير عن طبيعة.
25
وإنطاق الجوارح للشهادة على الإنسان. فالجوارح التي قامت بالأفعال؛ أي الأعضاء المباشرة مثل الأيدي والأرجل والألسن والسمع والبصر والجلد، بالإضافة إلى الأرض؛ أي المكان، والليل والنهار؛ أي الزمان؛ فالفاعل وميدان الفعل مكانا وزمانا، الكل يشهد على الفعل. وقد تتكلم الأعضاء بلا لسان، وقد يشهد كل عضو بمفرده طالما أن له بنية حية ويتكلم بلا لسان، أو قد ينوب اللسان في الشهادة عنه. والشهادة الأولى أقوى؛ لأنها مباشرة ولا وسيط، وأبلغ من حيث الخيال الشعبي. وسواء نطقت الجوارح أم أنطقها الله، فإن المهم هو شهادتها على الإنسان في أفعاله، وإلا لتحول الموضوع إلى صفة القدرة في مبحث الصفات. ويبدو هنا أيضا رصيد المعجزات في إنطاق الجوارح، وكيف أن رصيد النبوة يصب في المعاد؛ فنطق العجماء مثل إنطاق الجوارح؛ فإذا كانت الأفعال في الدنيا تدور في نطاق السر والكتمان، فإنها في المعاد تصبح مكشوفة على الملأ وأمام الأشهاد، وابتداء من البدن في الزمان والمكان.
26 (3) العرش، والكرسي، والقلم، واللوح
وكلها مناظر القاضي على منصة الحكم؛ العرش والكرسي، وبعده القلم واللوح، وبه سجل الأعمال والكاتبون؛ أي الكتبة الكرام.
27
فالعرش جسم عظيم، والعظم عكس الصغر، مصنوع من نور عكس الظلام، علوي ضد السفل، من زبرجدة؛ أي من أحجار كريمة في مقابل الأحجار العادية. لونها أخضر، وهو اللون الديني المفضل لعباءة النبي وللطرق الصوفية، أو أحمر وهو لون الحمية والنار والفاعلية والشيطان. ليس كرويا، بل قبة فوق العالم؛ مما يدل على الاحتواء، فالتحديب أفضل وأسمى من التقعير. أعمدته أربعة، وهي صورة للعرش والحمل. تحمله الملائكة كمحفة تأكيدا للعظمة، وفي الآخرة ثمانية زيادة في العظمة. تصل رءوس الملائكة عند العرش في السماء السابعة وأقدامهم في الأرض السفلى؛ تعبيرا عن طول القامة وعظم المهابة،
أصلها ثابت وفرعها في السماء . قرونهم كقرون الوعل، ما بين قرن وقرن خمسمائة عام؛ مما يدل على اتساع الجبهة كي تقدر على حمل العرش. وعظم الحامل يدل على عظمة المحمول. ومع أن صورة القرن للشيطان وليس للملاك، إلا أن الوعل المقرن صورة بدوية كريمة.
28
وكل ذلك رجم بالغيب وقول بلا دليل.
أما الكرسي فهو أيضا جسم عظيم من نور تحت العرش، ملتصق به، فوق السماء السابعة، ثابت معه لا يتزحزح، والسماء السابعة أعلى وأشرف من السموات الست الأولى طبقا للعدد الرمزي سبعة، بين الكرسي والعرش مسيرة خمسمائة عام؛ فالعدد خمسة أيضا عدد رمزي في الديانات القديمة، في اليهودية والنصرانية وفي أطراف الإنسان. والقصد هو الدلالة على العظمة. اتساع الكرسي والعرش مثل اتساع جبهة الوعل، والتقدير بالمسيرة الزمنية أعظم وأبعد من التقدير بالمسافة المكانية.