تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33

أما بالنسبة إلى شكله أو حجمه، فهو أحد من السيف وأدق من الشعرة، وهي صورة شعرية تلهب الخيال وتثير العجب. فهل يستطيع مثل هذا الخيط الرفيع أن يحمل المؤمنين والكفار كلهم من أول الخليقة حتى آخرها؟ وإذا كان السير عليه صعبا وفيه مهلكة، فلماذا يسير عليه المؤمنون ولا يسير عليه الكفار وحدهم؟ هل يستطيع أن يتحمل ثقل الإنسانية جمعاء؟ وما طوله؟ وأي قوة تحمله؟ وما بدايته؟ وما نهايته؟ أين يتعلق في البداية والنهاية؟ وهل يتقوس من ثقل الحمل؟ وهل يمكن ذلك دون أن تكون هناك حوامل أخرى بين الحين والآخر؟ كيف يسير الناس عليه والوقت زحام شديد، فرارا وهرولة؟ وما الترتيب؟ صغارا وكبارا؟ أنبياء وأولياء؟ إنسا وجنا؟ وكيف يكون أحد من السيف وأدق من الشعرة ويختلف في الضيق والاتساع؟ يبدو أن المبالغة لا تلتفت إلى التناقض في الصورة الفنية. المهم أن يكون الطريق طويلا وعريضا. وكيف يقاس الخيط صعودا وهبوطا وهو ممتد أفقيا لا رأسيا؟ هناك فرق بين السير على الجبل وبين التسلق عليه.

34

ويختلف الناس من حيث السرعة في السير عليه، كل حسب عمله؛ فمنهم من يجتازه اجتياز الريح، مثال الأنبياء، والبرق الخاطف بلا تعب ولا نصب، وبالمقابل يسير عليه الكافر ببطء مثل بطء السلحفاة تعذيبا له. ومتى سيصل الكافر إلى النار وهو بمثل هذا البطء؟ وهل عذاب السير على الصراط أعظم من طريق النار؟ إن التباطؤ في مثل هذه الحالة على الصراط نعيم بالقياس إلى لهيب النار. بل إنه من الأصلح للكافر أن يتباطأ وأن يزداد طول الصراط إبعادا لوقت الحريق قدر الإمكان. إن اختلاف أشكال العبور عليه في السرعة، مثل البرق والريح والطير والجواد والسعي والمشي والحبو على الرجلين أو اليدين أو الجر على الوجه، لتصوير اختلاف الأحكام طبقا للأعمال سيرا إلى الجنة أو النار. وهو موقف شعوري وليس موقفا ماديا، إحساس ذاتي وليس وصفا موضوعيا، ورؤية كيفية وليست حسابا كميا. الزمان على الصراط شعوري كالمسافة منه. منهم من يمر عليه في الأزمان، ومنهم من تستغرق فيه الأعوام والأعوام مثل أشيل والسلحفاة؛ فالمسافة تقاس بالزمن ويتحول المكان إلى زمان. وإذا كان المسير عليه ثلاثة آلاف سنة، فمتى يدخل الإنسان الجنة أو النار؟

35

يتسع الصراط على أهل الجنة ويضيق على أهل النار؛ فالمكان شعوري أسوة بالزمان، وكما تتسع جدران القبر على المؤمن وتضيق على الكافر، وكما تفتح طاقة في القبر على المؤمن ويختنق الكافر. وأثناء السير على الصراط تتدخل الملائكة، فتدفع الكفار للوقوع في النار، وهم مكبلون بالنواصي والأقدام، وكأن القسوة والإسراع في العذاب من شيم الملائكة! ولماذا لا تتدخل ملائكة أخرى للدفاع عن المؤمنين وحرصهم من الوقوع، أو على الأقل مساندتهم حتى يصلوا إلى بر الأمان؟ يوضع للمؤمنين عليه مائدة يأكلون منها ما يتدلى من ثمار الجنة، وكأنها وليمة، وليست امتحانا أو اختبارا. وكيف تنصب الموائد على الصراط الذي هو أحد من السيف وأدق من الشعرة؟ وكيف توضع الموائد والناس من فوق الصراط طوابير الواحد تلو الآخر؟ وكيف التمييز بين المؤمنين والكافرين إلا إذا كان هناك طابوران منفصلان لكل فريق، وحتى لا يزاحم الكافر فيقعد على مائدة المؤمن درءا للجوع، خاصة وأنه قد حرم الشراب من الحوض في الموقف قبل الحساب؟ وقد يقع الكافر على الصراط إذا ما تشابكت كلاليبه به وكأنه مسمار، فيتشبث به بكلتا يديه، فيعتدل ويسير أعواما وأعواما. وقد ينجو بعد ذلك وكأن الأمر جذب لانتباه المشاهدين، وتلاعب بعواطف النظارة كما هو معروف في الفنون المرئية باسم التعليق

Suspense .

36

وهناك أسئلة على الصراط، وكأن الناس لم يشبعوا أسئلة، وكأن المحاكمة لم تنته بعد. وهي أسئلة سهلة عن الصلاة والصوم والزكاة والحج، يعرفها كل إنسان، ولا تمثل أية صعوبة أو امتحان أو ابتلاء أو اختبار. بعض الأسئلة فقط عن ظلمات الناس وحقوقهم. ويسأل جبريل الناس عن عمرهم فيما أفنوه، وعن شبابهم فيما أبلوه؛ لأنه هو الموكول بالوحي والعلم، وعن علمهم ماذا عملوا به. وميكائيل يسأل مع جبريل؛ لأنه هو الموكول بالآجال. وهل من وظائف جبريل وميكائيل سؤال المؤمنين على الصراط؟

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٦٠