22
وقد تزداد التفصيلات حول المكتوب والكتبة؛ فالمكتوب ليس الأقوال، بل الأفعال والاعتقادات والنيات، كذكر القلب سرا بعلامة يعرفونها بها، ولكن أليس من الأقوال ما هو بمثابة الأفعال؛ فالكلمة إعلان عن حق وأمر بفعل؟ ولماذا لا تكتب الأقوال بينما تكتب النيات والاعتقادات؟ وماذا تفعل الكتبة بما يهم الإنسان به دون أن يفعله؟ وماذا تفعل بما تاب الإنسان عنه؟ هل تمحوه؟ وماذا تفعل بالأفعال الجماعية؟ لأي الأفراد تنسبها؟ وكيف تحدد الكتبة المسئولية في الأفعال المشتركة؟ وإذا كانت أفعال الصبية والمجانين لا تدون لأنها ليست أفعال تكليف، فهل لهم كتبة؟ وماذا يفعلون؟ وماذا تفعل الكتبة في أفعال الكفار؟ كيف تقيمها، خاصة إذا أتى الكافر بأفعال صادقة حسنة النية؟ وقد يزداد العدد من اثنين إلى أربعة أو عشرة أو عشرين، عشرة بالنهار وعشرة بالليل بالتناوب، وكأن الملائكة ينتابها تعب ونصب! بل وتتحدد أماكنها؛ واحد عن يمينه، وواحد عن شماله، واثنان بين يديه، واثنان على حاجبيه، وواحد قابض على ناصيته، إن تواضع رفع وإن تكبر خفض، واثنان على شفتيه لا يحفظان عليه إلا الصلاة، والعاشر يحرسه من الحية أن تدخل فاه! فاليمين والشمال مفهوم لتدوين الحسنات والسيئات، ولكن ما وظيفة الملكين بين يديه وعلى حاجبيه؟ هل يكتبان ما تفعل يداه وما تنظر عيناه؟ وإذا كانت وظيفة الاثنين على الشفتين الحفاظ على الصلاة، فأين صدق النية والعزم دونما حاجة إلى ملكين؟ أم إن وظيفتهما تدوين الأقوال وكل ما يخرج أو يدخل من الفم؟ أما هذا العاشر الذي يحرس الإنسان من أن تدخل الحية في فمه، فأين هذه الحية؟ وماذا تعني؟ وهل رأينا إنسانا تدخل حية في فمه إلا إذا كان ساحرا؟ وكيف يقف الملكان على الحاجبين والشفتين وكأنهما حواة أو بهلوانات في سرك؟ ولماذا يراجع الإنسان ما دون الملكان كل يوم خميس حتى يقر بما فعل ويلقى ما سواه؟ وهل يخطئ الملكان في التدوين وتكون الرقابة في النهاية للإنسان عن نفسه؟ وماذا لو نشأ نزاع بينهما، بين الإنسان والملائكة، فمن الحكم؟ ولمن القول الفصل؟ قد يعني الملكان مجرد شهود بين الله وخلقه طبقا لقانون العدل وضرورة الشهود على ما هو معروف في الدنيا وفي الشرع.
23
وقد تكون هناك صلة بين هذا التدوين وما يحدث في المجتمعات الحالية من تدوين كل شيء على الإنسان، وتسجيل ما يصدر منه من أقوال وأفعال، ورصد ما يبدو منه من حركات وسكنات، واستعمال شتى وسائل جمع المعلومات وأجهزة التصنت والتجسس على حياة الناس الخاصة والعامة. ففي مجتمعاتنا رقباء على الرقباء، ومتصنتون على المتصنتين، حتى تتجمع الخيوط كلها في يد الحاكم الأعظم. وقد يسمى الملكان؛ فأحدهما رقيب والآخر عتيد، أسوة بمنكر ونكير. وبصرف النظر عن الأسماء، هل تشير إلى مسميات أم لا، فقد تشير الأسماء إلى وظائف، وليس إلى أشخاص وظائف الرقابة والحفظ. ولما كانت ثنائية الخير والشر أصيلة في الخيال الشعبي، فالأول لكتابة الحسنات والثاني لكتابة السيئات، يلازمانه طيلة حياته، يدونان حسناته وسيئاته. وهذا يتطلب عددا من الملائكة ضعف عدد البشر في الماضي والحاضر والمستقبل؛ حتى يكفي بالناس، لكل فرد اثنان. وقد يكون لكل فرد ملكان؛ اثنان بالنهار واثنان بالليل؛ فتكون الملائكة أربعة يتعاقبون عند صلاة العصر وصلاة الصبح؛ أي بعد منتصف النهار وبعد منتصف الليل؛ وبالتالي يكون عدد الملائكة أربعة أضعاف عدد البشر، ولا يتغايران عليه ما دام حيا. وإذا مات يقومان على قبره يسبحان ويكبران ويهللان، ويكتبان ثوابه إلى يوم القيامة إن كان مؤمنا، ويلعنانه إلى يوم القيامة إن كان كافرا. دورهم إذن يتعدى دور الكتبة إلى دور الحاكم والمقيم والداعي بالخير أو الشر، بالبركات أو اللعنات. يدونان الأعمال في الزمان والمكان لمزيد من الضبط والإحكام. ملك اليمين أمير على ملك اليسار، ولا يكتب ملك اليسار شيئا إلا بإذن ملك اليمين. لا تدون السيئة إلا بعد ست ساعات من وقوعها؛ فلعل الإنسان يتوب عنها. ولماذا ست ساعات تماما لا أقل ولا أكثر؟ وهل يعطي ذلك الإنسان الحق في أن يفعل ما يشاء ثم يتوب عنه قبل انقضاء الساعات الست بدقيقتين، أم إن ذاك يعتبر نوعا من الحيل الفقهية أو سوء النية في الأخلاق؟ فإذا ما انقضت الساعات الست، لماذا يدعو عليه الملاك بالموت ويناصبه العداء؟ ألم تنشأ بينهما صداقة طول العمر؟