18
ويزداد تفصيل الصحف، نوعها ومكان تعليقها وكيفية أخذها وقراءتها؛ فكتاب المؤمن أبيض، وكتاب الكافر أسود. وهي لغة النور التشبيهية التي تعبر عن التقابل بين النور والظلمة تشبيها للحسنة والسيئة، ولكن كيف تأتي الكتب وتعلق في العنق؟ تطيرها الريح من خزانة تحت العرش، فلا تخطئ كل صحيفة عنق صاحبها، ثم تأخذها الملائكة فتعطيها لهم باليد. إلى هذا الحد بلغت دقة التصويب! ولماذا لا تأتي في اليد مباشرة وتأتي على حركتين؟ ويدخل أبو بكر كرئيس بلا صحف؛ لأن حسناته بديهية وأكثر من سيئاته. وعمر أول من يأخذها بيمينه كدليل على منهجين؛ النص عند أبي بكر، والواقع عند عمر. وأبو مسلم أول من يأخذها بشماله؛ لأنه أول من حارب النبي يوم بدر. فهذا تصوير لمواقف دنيوية. يأتي ليأخذ كتابه بيمينه، فيجذبه ملك، فيخلع يده، فيأخذه بشماله وراء ظهره. وهي صورة فنية أقرب إلى الحركات المسرحية لتصوير الصراع بين الخير والشر، والتقابل بين الحسنة والسيئة. وإذا كانت «لا إله إلا الله» مكتوبة في صحيفة، فإنها تعادل كل السيئات، وكأن الإعلان عن التوحيد مجرد عبارة مكتوبة، وليست شهادة فعلية بالقول والعمل، بالإقرار وبالفعل. وهل يقرأ كل إنسان كتابه أم يقرأ عليه؟ وماذا عن الأمي؟ وماذا عن الأعمى أو الأصم؟ وبأية لغة تكتب الصحف وتتم قراءتها؟
19
والذي يزن الأعمال هو جبريل مع أنها ليست وظيفته، ويقوم ميكائيل أمينا على جبريل منعا للسهو أو للخطأ،
20
ولكن هل يزن الله بنفسه أم ينظر إلى الملائكة تزن بدلا عنه؟ وقد توزن بعض الأشياء بذاتها في غير ما حاجة إلى وازن، الحكم بالنفس على النفس. فهل هذا ممكن؟ هل تتوفر الأمانة في حساب الذات خاصة ولو كانت السيئات أعظم؟ وما السبب؟ هل انشغال الملائكة وترفع الله أم بلاء وامتحانا للمؤمن أو ثقة به؟ وماذا لو رغب المؤمن أيضا زيادة مراتبه في الجنة وأفاض المكيال ووفى الميزان؟ ولماذا يستثنى سبعون ألفا من الميزان يدخلون الجنة بغير حساب ولا صحف؟ وبأي مقياس يتم الاختيار؟ وهل هو ميزان واحد بالرغم من تعدد الخلق، أم هي موازين عدة متشابهة يجمعها اسم الجنس أو النوع؟ إن كل هذه التساؤلات تجعل الميزان مجرد صورة حسية للعدل والقسطاس سيرا على طبقة التخييل، وهي أساس الإعجاز عند البلاغيين، ولا ترفض إحالة الموضوع كله إلى مقررات العقول؛ فالتأويل هو السبيل للخروج من جدل الإثبات والنفي. وجعل الموضوع كله خارج عقول البشر هو هدم لإمكانية تأسيس العلم طبقا لنظرية العلم في المقدمات النظرية الأولى. والإثبات ثم التوقف في الكيف تحصيل حاصل، خطوة إلى الإمام وخطوة إلى الخلف.
21
وما دامت هناك صحف منشورة أو معلقة، فهناك كتبة، وكتبة من الملائكة. وما دامت هناك صحيفتان، فهناك ملكان، وكأن ملكا واحدا لا يكفي لكتابة الحسنات والسيئات، أو أن اليد الكريمة التي تخط الحسنات لتستنكف أن تخط السيئات. وكيف يكون هناك ملاك للسيئات؟ أليس ذلك تناقضا بين الفاعل والفعل، بين الشخص والوظيفة؟ الأقرب إلى كتابة السيئات أن يكون الشيطان الذي يسر بكتابة السيئات ويحزن لكتابة الحسنات. وأين ستحدث الكتابة في الدنيا مكان الحدث أم في الآخرة مكان التسجيل؟ وبأي لغة؟ وبأي قلم؟ وفي أي قرطاس؟ وهل يخفى على علم الله شيء حتى تدون أفعال العباد؟ قد يكون ذلك احتراما للتدوين وتنفيذا للشرع في كتابة الوصاية والديون والعقود. وهل يعرف الملائكة القراءة والكتابة وعديدا من اللغات واللهجات للأمة الإسلامية؟ وماذا عن الأمم والشعوب الأخرى ولغاتها وأفعالها وقيمها؟ هل هناك مقاييس للحكم على الأفعال؟ وهل الأفعال من الوضوح بحيث يسهل تصنيفها بين الخير والشر؟ وكيف يمكن تقييم الفعل وهو متشابك بين النية والغاية، بين القدرة والقيمة؟ وهل على الملاك ملاك إلى ما لا نهاية؟ وهل على الجن والشياطين والأنبياء والأولياء والصالحين ملائكة؟ وماذا يفعل ملك الشمال الذي لا يجد شيئا يكتبه للملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين والمعصوم، في حين يئن ملك اليمين من كثرة الكتابة وتدوينه للحسنات ؟ وماذا سيفعل ملك اليمين الذي لا يجد شيئا يكتبه للكفار وللذين حبطت أعمالهم، بينما يئن ملك الشمال من كثرة كتابته للسيئات والمعاصي؟ هل في ذلك مساواة للأعمال؟ وإذا كان الكتبة يفارقون الإنسان في أوقات البول والغائط وعند الجماع والغسل، ولا يفارقونه ما دون ذلك، ولو كان في بيته جرس أو كلب أو صورة، فهل يمكن للإنسان أن يأتي ما يشاء من أفعال في هذه الأوقات وهو ضامن عدم التسجيل عليه؟ ولماذا لا يفارق الحفظة العبد في هذه الأوقات مثل الكتبة، ويصرون على مصاحبته؟ هل يحفظونه من الضرر، أو لما يصدر عن الإنسان من قول أو فعل أو اعتقاد؟ وهل الإنسان عاجز عن أن يحرس نفسه بنفسه؟ وكيف تقع المصائب للإنسان وعليه حفظة؟ وإذا كان القدماء لا يعرفون كيفية ذلك، فلماذا إدخاله في علم العقائد، وهو علم مهمته النظر والبحث عن الأسس العقلية التي تقوم عليها دفعا للشبهات عنها؟