10
وللدابة ثلاث خروجات: الأولى بأقصى اليمن في جنوب الجزيرة العربية، ويفشو ذكرها في البادية، ولكن لا يدخل ذكرها مكة باعتبارها مكانا مقدسا محروسا. وبعد مدة تخرج مرة ثانية قريبة من مكة، فيفشو ذكرها في البادية ومكة، وكأنها في المرة الثانية تقترب أكثر فأكثر، ويتسع نطاق أثرها. ثم تخرج مرة ثالثة، وفيها عيسى ابن مريم؛ وبالتالي يصبح المسيح عاملا مشتركا في العلامات الأربع الخاصة بصراع الخير والشر. يطوف المسيح بالبيت ومعه المسلمون؛ إذ تهتز الأرض تحتهم، ويتشقق الصفا مما يلي شعر الدابة، وتخرج رأسها من الصفا. وهنا يتحد الجسد الحيواني مع الطبيعة الكونية؛ فاهتزاز الأرض يماثل جريان الدابة. وينشق الصفا وتخرج رأس الدابة، ويجري الفرس ثلاثة أيام؛ أي إن الدابة هنا فرس طبقا للتصور العربي لنموذج الدواب، وثلاثة أيام طبقا لروايات الصلب في النصرانية، وصعود المسيح إلى السماء، وزحزحة الصخرة بعد ثلاثة أيام، ويحدث كل ذلك ولم يخرج إلا ثلثي الدابة! وبعد خروجها كلية يمس رأسها السحاب، وتمشي على الأرض، وتسمى الجساسة؛ لأنها تجس الأرض قبل السير عليها. طولها ستون ذراعا، ولها أربع قوائم وزغب. وهنا يبدو عدم التناسق في الوصف؛ مرة ينقلب الخيال في وصول رأسها إلى السحاب، ومرة يتغلب الواقع فيكون طولها ستين ذراعا، ولها أربع قوائم وزغب.
11
وقد تخرج الدابة من جبل الصفا مباشرة، فيتصدع لها الجبل والناس سائرون إلى منى أو من الطائف؛ أي وقت الحج؛ حتى يحدث التقابل بين الشر والخير.
12
وقد تستعمل الدابة اللغة المكتوبة أو اللغة المسموعة، فتكتب بين عيني المؤمن مؤمنا فيضيء وجهه، وبين عيني الكافر كافرا فيسود وجهه.
13
وبأي مداد تكتب؟ وبأية لغة تعبر؟ وهل يمكن بضخامة أصبعها الكتابة على هذه المساحة الصغيرة؟ وتكلم الناس ببطلان الأديان إلا دين الحق، وكأن دين الحق قادر على مقاومة التحريف والتبديل والتغيير، وتصدر أحكاما بالإيمان والكفر على الناس وكأنها على علم بهم، وكأنها مزيج من الشر والخير. تخرج من أعظم المساجد حرمة وهو المسجد الحرام؛ مما قد يمنعها من الحديث ببطلان الأديان. وقد يعني ذلك اكتمال الأديان كلها، ونهاية النبوة في الإسلام؛ فبطلان الأديان إنما يعني ارتباطها بمراحل سابقة في الزمان والمكان. الدابة إذن عالمة تعرف الكتابة والكلام باستعمال حروف من نور وظلمة، تكتب بالأبيض للمؤمن، وبالأسود للكافر. وكيف تعرف الدابة من المؤمن ومن الكافر قبل يوم الحساب؟ وهي بهذا المعنى أشبه بالملكين منكر ونكير، بنعيم المؤمن أو بعذابه في القبر قبل اليوم الآخر. يتضح من ذلك كله أثر الخيال الشعبي في وضع الرواية في بيئة صحراوية؛ فالدابة تتكلم وليس الإنسان الشرير أو الشيطان؛ نظرا لأهمية الدابة في حياة البدو. وهي ذات قوائم كدليل على البهيمية والحيوانية. وما فائدة الزغب والريش وحر الصحراء لا يتحمل ذلك، ولا فائدة منه إلا أن يقي الحيوان من زمهرير الشتاء، ووبر الجمل قصير، اللهم إلا إذا كان ذلك تعبيرا عن العظمة والرخاء؟ وكيف يتكلم الحيوان ببطلان الأديان؟ وهل يعلن عن ذلك الحيوان؟ وكيف يتم الإعلان عن شرف الموضوع بأخس الوسائل؟ وهل الحيوان قادر على التمييز بين الأديان الباطلة ودين الحق؟ وهل هو حيوان عاقل؟ كما يظهر أحيانا بعض التناقض في الاجتماع في شيء واحد الخير والشر معا؛ إذ يخرج الحيوان رأسه من الصفا، وهو مكان مقدس، فتبطل الأديان من مهبط الأديان! ولماذا يطوف عيسى بالبيت، وليس محمدا وهو أولى بالطواف؟
14
ولماذا لا يطوف إبراهيم وإسماعيل وهما اللذان رفعا القواعد من البيت؟ وكما تظهر المبالغة تبعا لقدرة الخيال الشعبي، فيتصدع الجبل من خروج الدابة، وتجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها، وكأن في الثلثين الباقيين لا توجد قوائم. فإن وجدت، فكيف تجري الفرس على قوائم أقل؟ وقد لا يستطيع تحمل مثل هذا الجسد الضخم أربع قوائم وحدها، ولا أقل من مئات من الأقدام. وقد تتناقض العلامة مع نفسها أو مع غيرها؛ إذ كيف تخرج الدابة والناس تطوف بالبيت، والأنبياء تقوم بمناسك الحج، وفي الوقت نفسه تكون علامة أخرى، وهو ألا يوجد على الأرض مؤمن واحد؟ (2) خرق قوانين الطبيعة