تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

وقد خرج يأجوج ومأجوج أمما، كل أمة أربعمائة ألف، والعدد أربعون من الأعداد الرمزية في الموت والحياة. ولا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطوف بين يديه من صلبه، فهو يتوالد ويتكاثر ولا يمكن إفناؤه. وهم من ولد آدم؛ أي إنهم إنس، لا جن ولا ملائكة. يسيرون إلى خراب الدنيا وكأن البشر يخربون عمرانهم بأيديهم. يشربون طبرية ودجلة والفرات حتى يأتوا بيت المقدس. وتتداخل الروايات، كل منها يزيد تفصيلا. تدل على معركة في الخيال بعد أن توقفت المعارك في الواقع، كما هو الحال في «رؤيا يوحنا» عند النصارى. وتدل على عجز المؤمنين أمام طغيان الكافرين. هل يأجوج ومأجوج هم الأمويون في مقابل آل البيت؟ هل هي إسرائيل في مقابل المسلمين اليوم؟ وكيف يكون الأمل في النصر عن طريق الدعاء وتدخل الله بالدود في الرقاب وإماتة الأعداء، وكأن معجزات المسيح لم تعد قادرة على إنقاذ المخلص، وكأن جهاد المسلمين أصبح عاجزا عن نصرة الحق والقضاء على الظلم؟

7

ويمكن ضبط الرواية بالرجوع إلى أصل الوحي، الذي يذكر يأجوج ومأجوج بصدد قصة ذي القرنين، وإقامة سد بينهما وبينه وانتصاره عليهم، وليس عجزه أمامهم، وهي حادثة في الماضي، وليست في الحاضر تعيدها الرواية كعلامة من علامات الساعة، كما يمكن الرجوع إلى علوم التاريخ والجغرافيا والآثار للبحث عن بقايا هذا السد، وآثار هؤلاء القوم في كل بقاع الأرض، والتحقق من مكان خروجهم، فلعلها سيبيريا التي تغطيها الثلوج، مع أن ذا القرنين أقام سدا بزبر الحديد، ونفخ فيه النار!

8

صحيح أن أصل الوحي قد أشار إلى يأجوج ومأجوج مرتين؛ مرة كحدث وقع في الماضي، ومرة كحدث سيقع في المستقبل، ولكن الأولى لا تدل على عجز الناس أمامهم، بل تدل على قوة الحيلة، وعظم المقاومة، وإقامة سد من الحديد المنصهر المغطى بالقطران الذي لم يستطع يأجوج ومأجوج اختراقه. فكيف بالقدرة في الماضي تتحول إلى عجز في المستقبل؟ ربما تدل العلامة على الفوضى وانتهاء النظام واختلاط الحابل بالنابل، يموج البعض في البعض، ويصبح البشر جميعا يأجوج ومأجوج.

9 (د) خروج الدابة

وهي ناقة من فصيل ناقة صالح لما عقرت ولم يدركها طالب هربت! ويدل ذلك على أن علامات الساعة قد تم تخيلها طبقا لمعجزات الأنبياء؛ وبالتالي يتحول الماضي إلى مستقبل. ينفتح للناقة حجر وينطبق عليها؛ اتقاء للكفرة، وحفظا لها منهم، وتظل فيه إلى وقت خروجها كي تنتقم منهم. وفي هذا الوقت تكون مسلحة بعصا موسى وخاتم سليمان؛ وذلك لأن عيسى ليس نبي الانتقام. تجلو وجه المؤمنين بالعصي، وتختم على فم الكافر بالخاتم، لا ينجو منها هارب. فالعصي هنا مصدر النور والطهارة لجلاء وجه المؤمنين، والخاتم للطبع على فم الكافرين، فيعرفون بالختم كأنه ماركة مسجلة. يصل ارتفاعها إلى السحاب؛ مما يدل على الضخامة والعظمة والعلو، ريشها جمع من كل حيوان؛ وبالتالي فهي تمثل جنس الحيوان كله، كما جمع جسمها كل الحيوان. رأسها رأس ثور رمزا للضخامة، وعينها عين خنزير رمزا للقبح، وأذنها أذن فيل رمزا للفخامة والتدلي على نحو يأجوج ومأجوج، وقرنها قرن إيل رمزا للقوة والفتوة وهو الخرتيت، وعنقها عنق نعامة رمزا للطول، وصدرها صدر أسد نظرا للضخامة والقوة، ولونها لون نمر نظرا لجمال التخطيط، بدلا من اللون الأجرب للأسد، وخاصرتها خاصرة هر في التلوي والالتواء وخفة الحركة وسرعة الدوران، وذنبها ذنب كبش رمزا للضخامة والطراوة والليونة والدسامة، وقوائمهما قوائم بعير في الاتساق والارتفاع والنظم، بين كل مفصل ومفصل اثنتا عشرة ذراعا؛ حتى تقوى القوائم على حمل هذا الارتفاع الذي يصل إلى السحاب. وكيف لدابة بمثل هذه الضخامة أن تجلو وجه المؤمن، أو أن تطبع فم الكافر، ويكونان أمامها مثل النملة أمام الفيل؟ وهل أداء الوظيفة يحتاج إلى مثل هذه الضخمة والتبذير في الإمكانيات؟

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٤٩