وبعد علامات الصراع بين الخير والشر، وهي علامات إنسانية خالصة تتعلق بالإنسان والحيوان، بالأفراد والجماعات، بالأبطال والشعوب، تأتي علامة واحدة أخرى تشير إلى اضطراب قوانين الطبيعة، وتوقف اطرادها وجريانها وفقا للعادة؛ فتشرق الشمس من المغرب، وتغرب من الشرق. تخرق قوانين الطبيعة، وتنتهي إمكانية الحياة في عالم لا يحكمه قانون، ولكن هذا الاضطراب مؤقت وليس دائما؛ إذ لا يستمر أكثر من ثلاثة أيام طبقا لروايات الإنجيل، ثم تصعد الشمس إلى وسط السماء دليلا على العظمة والارتفاع والحد الفاصل بين الفوضى والنظام، حيث لا ميل ولا انحراف شرقا أم غربا، ثم يسود القانون الطبيعي من جديد ويطرد جريانه، فتشرق الشمس من المشرق وتغرب من المغرب؛ تغليبا للنظام على الفوضى، وللقانون على الاستثناء. ويوجد لذلك نموذج سابق في التوراة، وهو وقوف الشمس ليوشع. فالخيال الشعبي ينسج تصوراته طبقا لنماذج سابقة في تاريخ الأديان، النصرانية واليهودية خاصة كأديان منافسة في الجزيرة العربية. فإذا ظهر المسيح في العلامات الأربع في الصراع بين الخير والشر، يظهر يوشع في خرق قوانين الطبيعة؛ وبالتالي لا يكون المسلمون أقل من النصارى واليهود في تصور أمور المعاد. وكما عاب أهل الكتاب على محمد عدم معرفته بأقاصيص الأولين، وأرسل الله له أحسن القصص، فكذلك نسج الرواة خيالات المعاد وعلامات الساعة؛ حتى لا يكونوا أقل من أهل الكتاب. فإذا ما تحدث القصص عن الماضي وعن التاريخ، فإن علامات الساعة تتحدث عن المستقبل. وإذا كان الماضي تذكرة وعظة وعبرة، فإن المستقبل تخطيط وإعداد ورؤية، وكلاهما بعدان لوعي تاريخي واحد. وقد يكون الغرض من هذا الاضطراب في سير قوانين الطبيعة واطرادها هو تنبيه الإنسان على نهاية الزمان وانتهاء التكليف؛ وبالتالي إعطاؤه إمكانية قصوى للتوبة وتعديل السلوك والتنبه إلى الفعل. فالتوبة تحدث في الزمان، وعلامة الساعة إنما تحدث في الزمان؛ فالساعة هي الزمان أو لحظته القصوى والأخيرة، فالعلامة هي التنبيه للإنسان لأن يلحق بالزمان قبل أن يمضي وينقضي. قد تكون التوبة خاصة بالمؤمن العاصي وحده دون الكافر، وقد تغلق على الكافر وحده. والأقرب أن تكون للمكلف عامة العاقل البالغ بصرف النظر عن وضعه؛ حتى يعطى الأمل للجميع. ومنذ عودة النظام إلى يوم القيامة لا تقبل التوبة، وكأن الزمان قد استهلك، والحياة قد استنفدت، ولم يعد هناك أمل في التغيير. فإذا ما اعترض العقل على كل ذلك، فما أسهل اللجوء إلى القدرة الإلهية الشاملة؛ وبالتالي إرجاع السمعيات إلى أحد الاختيارات في العقليات.
15 (3) انتهاء التكليف
وهناك علامات أخرى تدل على انتهاء التكليف ونهاية الزمان، منها ظهور المهدي، وقد دخلت في صراع الخير والشر مع ظهور المسيح عيسى ابن مريم. ومنها الدخان الذي يصيب الكافر حتى يصبح كالسكران الذي يفقد وعيه وتوازنه، ويصيب المؤمن منه كهيئة الزكام؛ وذلك لأن له بعض الأعمال السيئة. ويمكث الدخان في الأرض أربعين يوما يخرج من أنف الكافر وعينيه ودبره من كثرته فيه، ولا يخرج من المؤمن من أية فتحة فيه لقلته عنده! وكيف يميز الدخان بين المؤمن والكافر؟ وكيف لا يصيب الدخان المنتشر في الهواء المؤمن والكافر بلا تمييز، نظرا لحمل الهواء له وعدم القدرة على السيطرة على التيار، خاصة إذا مكث المؤمن والكافر في المكان نفسه وفي مواجهة التيار نفسه؟ وقد يكون الكافر سكيرا يحب السكر فيلتذ به. ولماذا يصيب المؤمن القليل منه وهو مؤمن تائب؟ أليس الزكام في نهاية الأمر مرضا يبرأ منه الإنسان؟ ولماذا تحديد الزمان بأربعين يوما إلا إذا كان العدد الأربعون ما زال رمزا للموت والحياة كما هو في الدين المصري القديم وفي الدين الشعبي الآن؟ وقد تعني العلامة، رجوع أهل الأرض كله كفارا، نهاية الإيمان، وانتهاء إمكانية الفعل والتحقق، وسيادة اليأس التام والتشاؤم المطلق. فالزمان تغير وحركة وصراع ونصر وغلبة، وما دام الأمل قد انتهى ينتهي الزمان بدوره. وقد تكون العلامة خراب الكعبة على يد الحبشة بعد موت عيسى؛ فالكعبة رمز للإيمان، وخرابها على يد الحبشة إسقاط الماضي على المستقبل، ومد عام الفيل إلى نهاية الزمان كنوع من هم الماضي وتحوله إلى هاجس في المستقبل. ويظهر عيسى من جديد حيا مقارنا بالكعبة، مع أن إبراهيم أو إسماعيل أو محمدا أولى بالقرآن. وقد تكون العلامة رفع القرآن من المصاحف والصدور أيضا بعد موت عيسى. وبطبيعة الحال لا يعني ذلك رفع المداد من الورق؛ فالقرآن ليس حروفا بالمداد على ورق وصحائف، إنما يعني رفعه من الصدور، ونسيان المؤمنين له، وضياعه منهم، وعدم العمل به؛ وبالتالي انتهاء الوحي عن كونه موجها للعالم ومطابقا للطبيعة. ولا يستطيع البشر أن يعيش بلا علم أو عمل. وكيف يقضي الناس أمام الله يوم القيامة بلا حجة من القرآن إذا ما رفع من الصدور، خاصة وأن من حفظ القرآن طبقا لإحدى الروايات لا يمس جسده النار شفاعة له، ولا يحرق مع حافظه؟