تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

يطوف بالدنيا كلها بثا للفساد الشامل وعما للخراب. سمي مسيحا لمسحه الأرض يوم أحد أربعين يوما، فهو مرتبط بالشر؛ بهزيمة أحد، وسياحته في الأرض تأييدا للكفار. وقد يكون سبب التسمية أنه ممسوح العين اليسرى. وفي التصورات الشعبية ممسوح العين، كريه، وشرير. والعين اليسرى تشير أيضا إلى الشر والقبح أكثر مما تشير العين اليمنى. على عكس تسمية المسيح عيسى ابن مريم الذي يسيح في الأرض دونما علاقة بأحد، أو لأنه يمسح كل ذي عاهة فيبرأ، أو لأنه ممسوح بالبركة والخير طبقا لرصيد الصور المستمد من البيئة الدينية المحلية، مثل مسح السيد المسيح على ذوي العاهات لإجراء المعجزات، أو دهن ماريا المجدلية له بالزيت، ومسحها له بالعطور. وربما تتحدد المدة التي يظهر فيها المسيح الدجال بأربعين يوما، أسوة بعودة المسيح الحق أربعين يوما إلى الأرض بعد البعث لتعليم التلاميذ، على ما هو معروف في الدين المسيحي. وقد تشير الأيام الأربعون إلى بعض مظاهر الحزن وطقوس العزاء في الديانة المصرية القديمة، وهي فترة الحزن قبل بداية تحلل جسد الميت وبروز عظام الوجه وتشققه. وقد تنفصل الصورة أكثر فأكثر طبقا لإبداعات الخيال الشعبي، بل تتحول الواقعة إلى قصة بها حوار بين الشر والخير، بين المسيح الدجال والسيد المسيح أو من ينوب عنه مثل الخضر. تتحول الواقعة إلى حدث درامي كامل، فيتحدد المكان في أرض المشرق بخراسان؛ ربما لبعدها، أو لغزوات التتر والمغول، أو لعدم عروبتها، أو لعجمة لسانها. واسمه صاف، وهي تسمية عن طريق القلب، وتسمية الشيء بضده إمعانا في إبراز الصفة عن طريق التقابل. وكنيته أبو يوسف؛ أي إن له اسما مشهورا؛ ربما إشارة إلى أبي يوسف الثقفي الحجاج، قاطع الرءوس. ودينه اليهودية؛ تعبيرا عن عداء اليهودية، بالرغم من أن اليهودية دين من عند الله، وأحد مراحل الوحي. وقد يكون أعور، وليس فقط ممسوح العين اليسرى، والأعور أكثر قبحا من المبصر، أو ممسوح أحد العينين، فالقرصان أعور. والقائد الإسرائيلي بالنسبة للعرب أعور. والعين الأخرى لم تسلم من بقعة صفراء تجعله أعور بعين وأقرب إلى العمى بالعين الأخرى. ومكتوب بين العين العوراء والعين العمياء كافر! وكأن الجبين سبورة أو قرطاس! وبأي لون تكون الكتابة؟ وبأية لغة؟ وما حجمها؟ وماذا عن المؤمن الذي لا يعرف القراءة أو اللغة، أو المؤمن الأعمى؟ كثير الشعر مثل الحيوان، وليس أملس مثل الغلام. وبعد الوصف الجسدي المظهري له تبدأ الصحبة. معه جنة ونار يسيران معه وكأنهما شخصان؛ الخير على اليمين، والشر على اليسار. وكذلك تسير معه الأنهار، دون تحديد من الخلف أو الإمام، وهي إلى الأمام أقرب. ومع أن الجنة تجري أيضا من تحتها الأنهار، إلا أنها فيما يبدو جداول رقيقة لتصوير الرياض وحدائق القصور الأندلسية، بل يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت؛ مما يدل على قدرته الفائقة على صنع الخير؛ مطر السماء ونبات الأرض. يأمر الأرض فتخرج كنوزها فتسير معه؛ رمزا للغنى وأموال الذهب الأسود. وبالتالي فهو قادر على أن يفعل المعجزات مثل الأنبياء. ثم يبدأ الحوار، وتظهر شخصية أخرى، فيتحول الحديث إلى قصة. يظهر الخضر رجلا جميلا في مقابل بشاعة الدجال. والخضر صورة النقاء الصوفي والتأويل الرمزي والفعل المستقبلي. يستمر الدجال في الغواية، غواية خضر، وكأنه استمرار لفتاني القبر، وامتحان الراحة الأخيرة. ولا يسأل الدجال، بل يبدأ بالإقرار الخاطئ، ولا يطلب من المسئول إلا إقرارا على إقرار، ولكن الخضر يكتشف كذب الدجال، ويلعنه، ويقر بالله رب العالمين، ويتحول من ملاك طاهر إلى ضارب بالسيف يشق الدجال نصفين، ثم يأمره بالقيام، فيحيا الدجال بقدرة الله من جديد؛ كي يعلن الخضر من جديد عجزه عن فعل أي شيء، ويتحول المسئول إلى سائل، والممتحن إلى ممتحن؛ وبالتالي يحول الخضر السؤال النظري عن الله إلى تحد عملي بالقدرة، كما هو الحال في إعجاز القرآن، وتحدي القدرة الإنسانية به. ثم ينتقل الحوار إلى وصف الركب؛ فإذا كان لجبريل براق بجناحين، فللدجال حمار أعور مثل صاحبه. وإذا كان ما بين أذنيه أربعون ذراعا، فما بالك برأسه وجسده وقدميه وذيله، وما بالنا بصاحبه! وإذا كانت خطواته ميلا ، فما بالنا بسرعته! وكيف بهذه الضخامة يحدث الحوار مع الخضر، ويشقه الخضر نصفين؟ وبأي سيف يتم الشق إن لم يكن الخضر عملاقا مثله، والسيف أشبه بقوس قزح في السماء؟ مهمة الخيال الشعبي التصوير عن طريق التضخيم؛ حتى يحدث التأثير. وتتدخل التعريفات اللغوية وسط الواقعة الدرامية؛ فالدجال من الدجل؛ أي التغطية؛ لأنه يغطي الحق بالباطل. ثم تستمر القصة بحوار آخر، وتأكيدا على أنها فتنة، بل وأعظم الفتن بغية للتضخيم، يستعاذ فيها كما فعل الرسول، حتى تثبت صحتها. وينشأ الحوار الآخر من أجل الإقناع؛ فيحضر الدجال الشيطان في صورة الأبوين؛ ليشهدا شهادة زور عن خوف أو تدليس على أن الدجال هو الرب الذي يؤمن به. وتحتوي شهادتهما على التحذير المقنع من أنه الرب، ولكن عليه أن يبتعد، لا أن يقترب. وفي هذا الامتحان، يتدخل علم الأشعرية بأن من ثبته الله على الإيمان مر بنجاح، ولم يضر شيئا دون قانون الاستحقاق على الأعمال. ويسوح الدجال في كل الأرض، إلا الأماكن المقدسة فيها؛ مكة والمدينة والقدس والطور، الأماكن المقدسة في الوحي في مراحله الثلاث؛ إذ تحرسها الملائكة، وتطرد الدجال عنها، وكأن الملائكة في مساعدة الإنسان، تعينه على الخير وتمنع عنه الشر، ثم يظهر عامل الزمان دون تحديد بأربعين يوما؛ نظرا لاختلاف الناس فيه، فلا يعلم الزمان إلا الله، وكأن الحمار لم يكف الدجال؛ إذ إن له جساسة؛ أي دابة تجس الأخبار له، وتجمع المعلومات؛ حتى يكون على بينة من أمره. وبغية في إعطاء بعض الأمل بعد اليأس، والتشجيع بعد الإحباط، والترغيب بعد الترهيب، يظهر الدجال مسلسلا بحديد في يديه ورجليه في جزيرة! وكيف يسير ويركب ويطوف وهو في هذه الحالة؟ وأي سلاسل تقوى على من ينزل الأمطار، ويفجر الأرض، وينبت الزرع؟ ولتأكيد واقعة الحبس، يمر شاهد عيان موجود بالفعل، وشخص تاريخي معروف باسمه، ويسأل الدجال عن النبي؛ لإبراز التناقض بين موضوع السؤال والشخص المسئول، ثم يرجع السائل ليخبر النبي بما حدث! (ب) نزول المسيح عيسى ابن مريم

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٤٦