وكرد فعل على هذا التصور الثنائي، سواء في المعاد الجسماني أو المعاد الروحاني، أصبح الخلود للنفس الكلية المتحدة بالنوع، وليس للنفس الفردية. لا يتحقق الخلود بتشخيص الرغبات، بل يتحقق بالفعل من خلال الزمان بالنشاط والجهد؛ وذلك بتحقيق الإنسان وغايته في الحياة، وبتحوله إلى تاريخ وحضارة. ويمكن للإنسان أن يخلد نفسه من خلال حياته بنشاطه وفعله وعمله، عندما ينتج فكرا ويترك أثرا؛ وبالتالي يتحول وجوده الزماني إلى وجود حضاري، كما يفعل الفلاسفة والشعراء والثوار والشهداء. ليس الخلود واقعة يمكن الحصول عليها أو لا يمكن لكل فرد، بل هي عملية تخليد، إمكانية محضة مشروطة بجهد الإنسان وفعله، وكل قادر على الخلق والتأثير. فالمعاد ليس جسمانيا أو روحانيا، بل المعاد إنساني خالص تكشف عنه رغبة الإنسان في مقاومة الموت واستمرار الحياة عن طريق أفعاله في الدنيا وآثاره في الناس، فيتحول وجوده الفردي إلى وجود جماعي، ويخلد الفرد في الجماعة، ويبقى في الأمة.
56
| ثامنا: علامات الساعة
وبعد إثبات إمكانية المعاد، يبدأ البحث في توقيته وساعة حدوثه. وقبل حدوثه يمكن معرفة ذلك بعلامات؛ فعلامات الساعة هي إيذان بقرب حدوث المعاد، ونهاية الزمان، وانقضاء الأعمار، وانتهاء رحلة الحياة، وأن لم يعد هناك مجال للتكليف أو الاستحقاق أو الاختيار. فإذا ما انتفت الغاية جاءت النهاية. وهي موجودة قبل ظهور الأنبياء والإعلان عن النبي أو قدومه. يخلو أصل الوحي منها، ولكنها موجودة في الأحاديث التي تعتمد على الخيال الشعبي ، والتي تنبئ بحوادث آخر الزمان، كما هو معروف في كل الأخرويات؛ تعويضا عن هموم الناس، وتفريجا لكربهم، وتوسيعا لخيالهم إذا ما ضاق العقل، واتجاها نحو المستقبل الأفضل إذا ما استعصى الحاضر وتأزمت أحواله. كما أنها تكثر للغاية في العقائد المتأخرة، وتستمد من كتب التفسير والتاريخ والسير، حيث يزداد الخلق الشعبي، وتكثر صور المعاد والأحاديث الأخروية الضعيفة.
1
وهناك نماذج عديدة منها في الديانات المحيطة والمعروفة في البيئة الحضارية، والتي يمكن دراستها في الأساطير المقارنة، وفي علم التاريخ المقارن للأديان. وهي علامات لا يمكن تجربتها أو التحقق من صدقها لا عقلا ولا تجربة؛ لأنها لم تحدث بعد، ولم يرها أحد؛ وبالتالي يكون السؤال: هل هي علامات حسية تقع بالفعل، أما إنها دلالات ومعان لتجارب ووقائع حاضرة يستطيع بها الإنسان أن يتخيل المستقبل، وأن يطمئن عليها كلما ازداد قلقا على حاضره؟ فالإنسان يتخيل مستقبله بناء على حاضره، ثم يشخصه وكأن سيحدث بالفعل في وقائع مستقبلة في آخر الزمان. وكلما قوي المعنى وعمقت الدلالة، زاد تشخيصها كوقائع وإثباتها كحوادث.
ولا يهم عدد العلامات أو حجمها؛ فقد تكون خمسا أو عشرا؛ أي خمسة مضروبة في اثنين. ربما يكون للعدد خمسة معنى رمزي، ولضربه في اثنين دلالة رمزية أخرى. أما قسمتها من حيث الحجم خمسة كبرى وخمسة صغرى، فإنها تدل فقط على التقابل في الصور بين الأكبر والأصغر، طبقا لدرجة حضور المعنى وعمقه في الشعور. ومع ذلك يمكن تصنيف العلامات إلى ثلاثة أنواع: الأول يتعلق بالصراع بين الخير والشر، والثاني خاص بقوانين الطبيعة، والثالث يسير إلى نهاية التكليف. (1) الصراع بين الخير والشر
وتشير أول مجموعة من العلامات إلى الصراع بين الخير والشر، ظهور الشر وسيادته، ثم تغلب الخير عليه في النهاية، وتشمل: (أ) ظهور المسيح الدجال
والمسيح الدجال إنسان من بني آدم، وليس شيطانا، وكأن الإنسان سيطغى في الأرض حتى يفسد كل شيء، وهو كافر لا أمل في إيمانه، مجبر على الكفر لا اختيار عنده بينه وبين الإيمان؛ وبالتالي يكون شرا مطلقا. يدعي الألوهية؛ أي يخلط بين المستويات، ويقضي على الخالص، وينكر الخير الأعم.