تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينزل المسيح عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال انتصارا للخير على الشر. وأحيانا يظهر المهدي مع المسيح في رواية واحدة يؤديان الدور نفسه بالنسبة للمسيح الدجال. يظهر المهدي أولا، فيحاصره المسيح الدجال، ثم يأتي المسيح عيسى ابن مريم ليخلص المهدي؛ مما يدل على وجود علاقة بين المخلصية المسيحية والمهدية؛ أي بين الأسطورة النموذج والأسطورة المحلية. وقد يظهر المهدي وحده كإحدى علامات الساعة، فتصبح الأسطورة واقعا تتدخل فيه التحديدات المكانية والزمانية، وتحديدات أخرى عقائدية؛ لضبط الرواية، وجعلها وكأنها حدث تاريخي مستقبلي واقع بالفعل. فقبل موت عيسى بعد نزوله عند قيام الساعة، تتوحد الملل في الإسلام الحنيف؛ إعلانا لنهاية النبوة، واكتمال الوحي، وتحقيق الواقع، وتطابق الفكر مع التاريخ. وقد يكون الزمان هو وقت طلوع الشمس. ويبقى المسيح في الأرض أربعين سنة، أو سبعين سنة، أو سبع سنين. ويمكن التوفيق بين الرأيين باعتبار الأربعين سنة مدة مكثه قبل الرفع، فإن رفع وله ثلاث وثلاثون سنة يكون مجموع سنوات مكثه قد ناهز السبعين. وقد يكون العدد أربعون والعدد سبعون أعدادا رمزية أو نمطية؛ فهناك العلماء السبعون الذين ترجموا التوراة إلى اليونانية (السبتانت)، وهناك السبعون تلميذا، وهي الدائرة الأوسع بعد الدائرة الأضيق؛ دائرة الحواريين الاثني عشر، وهناك العدد سبعة كعدد رمزي كوني في السموات السبع والأرضين السبع والأيام السبع. وقد علم المسيح التلاميذ أربعين يوما بعد البعث وقبل الرفع الثاني. وفي مصر القديمة يكتمل الحزن في الأربعين. وقد يتحدد زمان النزول بصلاة الصبح بداية الزمان وقت طلوع الشمس وبكارة اليوم. وقد يكون الزمان شعوريا خالصا؛ فإذا مكث المسيح أربعين ليلة يسبح في الأرض، فإن اليوم من أيامه يكون كالسنة أو كالشهر، أو يكون اليوم كالجمعة. وقد تكون سائر الأيام كأيامنا. أما بالنسبة للتحديدات المكانية، فإن المهدي يظهر أولا في الحرمين الشريفين، ثم يأتي إلى بيت المقدس، فيحاصره الدجال، ثم ينزل المسيح عيسى ابن مريم من المغارة الشرقية من دمشق الشام ويقتل الدجال، وهي أماكن مقدسة في الحجاز وفي الشام، ولا تقل دمشق قدسية عن القدس. والمنارة من الشرق، وليس من الغرب؛ فالشرق أكثر قدسية من الغرب. وقد ينزل عيسى من السماء؛ فالسماء أكثر شرفا من الأرض. وعلى هذا النحو ينتقل الصراع السياسي إلى رموز جغرافية؛ الحجاز والشام معا في مواجهة بغداد والعراق. ويدفن المهدي بين النبي والصديق، أو بين الشيخين؛ أي في مكان شريف. كما يدفن المسيح بعد أن يصلي عليه المسلمون في روضة محمد؛ لأنه خلق من الأرض بعد نفخ جبريل في طوقها. وقد ينزل المسيح من السماء الثانية التي يسبح فيها الله، وهي أقرب إلى الأرض ساعة النزول من السماء السابعة. وفي وقت النزول تقوم الملائكة بأبواب مكة والمدينة، ويفر الناس إلى جبل الدخان بالشام، فيأتيهم المسيح الدجال، ويحاصرهم، وكأن العذاب والخلاص بالشام! قد يكشف ذلك عن الصراع بين الحجاز والشام، أو كنوع جديد من المعراج من الحجاز إلى الشام. ومع هذه التحديدات الزمانية والمكانية، يظهر البطل المسيح عيسى ابن مريم؛ فيقتل المسيح الدجال بضربة واحدة فيقتله في الحال، فيذوب كالملح في الماء. ينزل المسيح من السماء الثانية، حيث كان يسبح الله؛ أي إنه هو الخير المطلق. لا يأكل ولا يشرب؛ لأن الطعام والشراب من مظاهر النقص. ينزل واضعا يديه على أجنحة الملائكة، طائرا مثلهم دون ركوب، جسد على جسد، لابسا ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران؛ دلالة على الزركشة والرائحة العطرة. يكسر الصليب الذي هو رمز لتحريف عقائد الناس فيه، ويقتل الخنزير رمز تحريف شريعته، ويترك الجزية رمزا للسماحة والغفران. يتزوج من امرأة من حزام، وهي قبيلة باليمن؛ رمزا لتحريف شريعته من الزواج إلى الرهبنة. ويولد له ولدان، موسى ومحمد؛ أي إن الأنبياء من نسل واحد. ولا ينزل عليه جبريل بشرع جديد؛ لأن شريعة الإسلام آخر الشرائع، ثم يجتمع المسيح بالمهدي وقد أقيمت الصلاة، يشير المهدي إلى عيسى المسيح دلالة على اقتداء المسيح بالرسول لما كان المهدي نائبا عنه. ويتضح في الرواية أثر التصور الشيعي في نيابة الإمام عن الرسول، وأفضلية الإمام على النبي. ولا ينزل المسيح إلا بعد أن ينقضي التكليف في الأرض، فلا يبقى فيها مكلف واحد؛ وبالتالي لا امتحان ولا اختبار ولا حرية ولا عقل. والحكمة في نزوله الرد على اليهود والزاعمين قتلهم له؛ فالرواية تذكر تعليل النزول، ويتضح فيها الجدل مع اليهود. فالإسلام والمسيحية معا في كفة، واليهودية في كفة أخرى. وفي زمانه يكون رخاء كثير وتكون بركة، حتى لتكاد تكفي رمانة واحدة جماعة كثيرة، كما كان الحال أيام معجزاته في تكثير السمك والخبز والماء. ويعم الأمن؛ فترعى الغنم مع الذئب، وتلعب الصبيان بالحيات، حيث لا شر ولا عدوان. وتتعرف الطبيعة على المسيح الدجال، وعلى المسيح ابن مريم، ويتكلم الشجر، وينادي الحجر. وبصرف النظر عن الترتيب الزماني والتحديد المكاني وظهور البطل وتحقيق أفعاله وأحوال عصره، فإن الرواية كلها إنما تعبر عن رغبة في الخلاص في المستقبل، وانتصار الخير على الشر؛ أسوة بما كان في الديانات السابقة، وكان يصعب أن يأتي محمد ليقوم بدور المخلص في نهاية الزمان؛ لأن محمدا يقوم بذلك في الدنيا، ولكن أعطيت الوظيفة للمسيح؛ فهي وظيفته التقليدية، ويشاركه فيها الإمام تعبيرا عن الجماعة المضطهدة، وأملها في انتصار الخير على الشر، وغلبة الحق على الباطل، وسيادة العدل على الظلم. وينزل المسيح الدجال، وليس موسى الدجال، أو محمد الدجال؛ لأنه في مقابل المسيح عيسى ابن مريم كخير مطلق هناك المسيح الدجال كشر مطلق. أما محمد وموسى فإنها قادران على الانتصار بنفسيهما عن طريق الفعل، انتصار محمد على قومه، وانتصار موسى على فرعون.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٤٧