تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19

وبالإضافة إلى سؤال الزمان تبرز أشكال الهيئة: هل تكون الإعادة كما كان الحال في الدنيا، أم تكون بصور أخرى متغيرة؛ الكافر يزداد قبحا، والمؤمن يزداد حسنا؟ ولكن الحساب لم يتم بعد حتى تتغير الصور، وعودة صور الدنيا وقبحها وقذارتها وأمراضها وبؤسها استمرار للبؤس بعد أن أنهاه موت البائسين، كما أنه استمرار لبهاء الأغنياء، وكأن الموت لم يكن نهاية للترف ومساواة بالفقراء؛ وبالتالي يعيش البؤساء في البؤس مرتين، كما يحيا الأغنياء في الغنى مرتين.

20

ولماذا يكون حساب يوم الميعاد بمقدار خمسين ألف سنة؟ وما الدافع لتضخيم الحساب؟ هل يرجع السبب في ذلك إلى كثرة العدد؟ قد يكون الهدف هو الدلالة النفسية؛ أي طيلة الانتظار والإحساس بطول الوقت؛ نظرا لأهمية الحدث فيه.

21

وقد ينكر موضوع الإعادة كله، ليس فقط باعتباره كيفية؛ أي استحالة المعدوم من لا شيء، وإمكان ذلك بالتجميع والتفريق للأجزاء، بل إنكار الإعادة من الأساس كموضوع ميتافيزيقي خالص، أو كموضوع جزئي في إنكار حشر الأجساد. ويأتي إنكار الإعادة نتيجة لعدة عقائد سابقة، منها إنكار حدوث العالم؛ فما دام العالم موجودا قديما وباقيا لم يفن، فإنه لا يعود. وهو أقرب إلى المنطق والاتساق ما دامت الإعادة نتيجة طبيعية للقول بالحدوث والإيجاد ومن عدم؛ فالإيجاد من عدم يتلوه طبيعيا الإيجاد بعد العدم. أما إذا ثبت حدوث العالم، ثم أنكرت الإعادة بعد العدم، فإنه يكون بين النتيجة والمقدمة عدم اتساق منطقي؛ فما دام إثبات الوجود من عدم قد تم، فإن الإعادة تكون أسهل؛ وبالتالي لا يمكن إثبات الحدوث وإنكار الإعادة. أما إذا ثبت حدوث العالم وإعادة المعدوم، فإنه لا يمكن بعد ذلك إنكار البعث والقيامة فيما يتعلق بحياة الإنسان بعد الموت، ابتداء من حياة القبر حتى الثواب والعقاب في الجنة والنار؛ إذ لا يمكن إثبات الأساس وهو الإعادة، وإنكار الفرع وهو الحشر، ولا يمكن إثبات المبدأ العام، وإنكار إحدى حالاته الخاصة؛ فالغاية من إثبات الإيجاد من عدم هي إثبات حشر الأجساد. أما إثبات صدق العالم وإثبات الإعادة، ثم إنكار البعث والقيامة وإسقاط الشرائع، فإنه أيضا يأخذ الوسائل دون الغايات؛ فالغاية من إثبات حدوث العالم والإعادة هي إثبات حشر الأجساد، والغاية من إثبات حشر الأجساد هي الثواب والعقاب جزاء على الأعمال طبقا لقانون الاستحقاق، والغاية من ذلك كله إقامة الشرائع؛ فالعقائد النظرية وسائل لتحقق غايات عملية، والتصورات الدينية إنما هي وسائل لأفعال خلقية.

22

وإن إثبات حدوث العالم أو قدمه إنما موضوعه نظرية الوجود في المقدمات النظرية الأولى، وإنما المكان هنا لإثبات إعادة المعدوم وحشر الأجساد أو إنكارهما.

ويتم إنكار الإعادة ضرورة أو استدلالا. فالضرورة تقوم على أن تخلل العدم بين الشيء ونفسه محال؛ وبالتالي يكون الوجود بعد العدم غير الوجود الذي قبله، ولا يكون المعاد هو المبدأ بعينه. وأما الاستدلال فإنه يقوم على ثلاث حجج: الأولى أن الشيء بعد عدمه نفي محض، ولا تبق هويته أصلا، فلا يعود، والمحكوم عليه متميز عن غيره، والمتميز ثابت غير معدوم؛ فالمعدوم لا يمكن إصدار الحكم عليه بإعادته؛ لأنه أساسا غير موجود، وإصدار الحكم لا يكون إلا على موجود متميز، كما أن الحكم بأن المعاد عين الأول يستدعي تميزه حال العدم، وهو محال. والثانية أن إعادة المعدوم بتقدير وقوعه لا يتميز عن مثله؛ وبالتالي تبطل الإعادة للشيء الفردي. ولماذا الإعادة بعينها والله قادر على إيجاد مثله مستأنفا؟ وفي هذه الحالة، لا يتميز العادي من المستأنف، وتلزم الاثنينية بلا امتياز، وهو محال. والثالثة أنه لو أعيد المعدوم لتمت إعادته والأول معه؛ وبالتالي يكون مبتدأ، وهو تناقض؛ لأن الإعادة ثانية، وليست أولا. وإذا كان المعاد معادا بجميع عوارضه ومنها الزمان، فلا يكون الوقت الأول معادا ثانيا، وإلا كان خلفا.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٣٥