16
وهو التصور القائم على افتراض الانفصال بين الوجود والعدم، أو بين العدم والوجود، ولا يتم الاتصال بينهما إلا عن طريق الأمر التكويني الإرادي، وليس عن طريق التطور الطبيعي، من الوجود إلى العدم أو من العدم إلى الوجود. وقد يمكن إعادة المعدوم عن طريق تفريق الأجزاء وتأليفها، بحيث يحصل منها مثل الهيئة الأولى التي كان الشخص عليها في النشأة الأولى؛ فتكون عودة النفس إلى البدن الأول دون أن يتطلب ذلك بالضرورة عودة المعدوم بعينه؛ فالإعادة تركيب ثان، وليس إعادة من عدم؛ فلا شيء يأتي من لا شيء في الخلق أم في الإعادة.
17
ولو وقع إعدام الكل لوقع إعدام الجنة والنار، ولو وقع إعدام الكل وعودة الكل لاستحال؛ فالمعدوم لا يعود. وإن لم يعد الشيء بعينه لاستحال الاستحقاق؛ لأن الاستحقاق فردي وليس كليا، ولكن هل يتحلل جسد الأنبياء أم إن لهم وضعا خاصا؟ والحقيقة أن ذلك تشخيص للنبوة، ليس فقط في شخص النبي بل في جسده، وقضاء على الرسالة وإحلالها في البدن. وهل يختلف جسد محمد عن أي جسد كائن حي؟ وهل هناك فرق بين إعادة الناس البسطاء، وإعادة الحور العين والغلمان المخلدين، وكأن أجسادهم من طبقة أخرى؟ هل يتكون البسطاء من عدم محض، في حين يتكون الحور العين والولدان المخلدون من تجميع الأجزاء فحسب؛ رغبة في ألا يفنى الحور العين والولدان المخلدون، وحرصا عليهم ممن يفنون وهم لا يدرون، وكأن الراغب الفاني يشتهي المرغوب فيه الذي لا يفنى، فتفنى الذات، ويبقى موضوع رغبتها؟ ويدل ذلك على أن الموضوع كله إنما يعبر عن رغبة إنسانية، وهو ما سماه القدماء بحسب الذهن الذي لا بحسب الخارج. والواقع أن هذا التصور أقرب إلى التصور المادي القائم على اتصال المادة وتطورها من الوجود إلى العدم أو من العدم إلى الوجود، وهو التصور العلمي القائم على الاتصال في مقابل التصور اللاهوتي القائم على الانفصال، وهو تصور لا يحتاج إلى علة فاعلة خارجية، في حين يحتاج التصور اللاهوتي إلى علة فاعلة مشخصة .
وبالإضافة إلى التصور الإرادي المشخص والتصور المادي المتصل، هناك تصور إشراقي خالص لكيفية الإعادة أقرب إلى الأسطورة منه إلى الدين أو العلم؛ إذ تتحرك النفوس والأشخاص بالشرائع بتحريك النبي والوحي في كل زمان، دائرا على سبعة سبعة حتى ينتهي إلى الدور الأخير ويدخل زمان القيامة. ترتفع التكاليف، وتضمحل السنن والشرائع. وهي وسيلة لبلوغ النفس الإنسانية كمالها درجة العقل، وائتمامها به، ووصولها إلى مرتبه. وتلك هي القيامة الكبرى، فتتحلل تراكيب الأفلاك والعناصر والمركبات، وتنشق السماء، وتتناثر الكواكب، وتتبدل الأرض، وتطوى السماء، ويحاسب الخلق، ويتميز الخير من الشر، والمطيع من العاصي. وتتصل جزئيات الحق بالنفس الكلي، وجزئيات الباطل بالشيطان المبطل. فمن وقت الحركة إلى وقت السكون هو المبدأ، ومن وقت السكون إلى ما لا نهاية له هو الكمال. وفي هذه الحالة، لا يبعث إلا من استطاع بلوغ مراتب الكمال العليا من أولاد آدم وحدهم دون غيرهم، طبقا لقدراتهم على تصفية النفس وتخليد الذات. وهي نظرية في الخلود في العالم عن طريق الكمال، يبلغ عليها الطابع الكوني الإشراقي، وليس الطابع النظري العقلي الخالص.
18
والحقيقة أنه لا يهم كيفية الإعادة، وكيف تعود الأرواح إلى الأجسام، وكأننا في مبحث طبيعي؛ فالإعادة تصور إنساني خالص لتجاوز الموت واستمرار الحياة. هي رغبة إنسانية، وليست حدثا طبيعيا، مطلب إنساني يفرض نفسه على الطبيعة من كثرة التركيز عليه، واقتضاء تحققه، والاستجابة له.
فإذا ما تم الانتقال من الإعادة كموضوع عام إلى الإعادة كموضوع خاص، أي حشر الأجساد، ظهر موضوع الزمان. فهل يعاد الزمان باعتباره عرضا؟ وإذا عاد، فهل يعود بأبعاده؛ الماضي والحاضر والمستقبل؟ هل يعود بأعمار الإنسان والعالم المتتالية، أم في آخر لحظة فيه؟ هل يعود الزمان وحدة واحدة أم في لحظاته المتعاقبة؟ ويثير موضوع إعادة الزمان أشكال التتابع والتتالي والمراحل والتطور. هل يعود مرة واحدة أم على مراحل؟ هل يعود دفعة واحدة أم بالتدريج؟ إن عودة جميع الأزمنة تساعد على الشهادة على الأعمال المتحققة فيها، وما وقع فيها من طاعات وآثام. ومع ذلك قد تصعب إعادته؛ نظرا لاجتماع متنافيات مثل الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد، وهي صعوبة منشؤها قياس الغائب على الشاهد، خاصة لو كان الغائب حالة افتراضية لا يمكن تصورها، ولكن الزمان تيار جارف، وإذا عاد فإنه يعود كذلك. أما الزمان المتوقف فإنه لا يكون حياة، ربما يكون فقط تعاقب الزمان في الإعادة أسرع إيقاعا منه في الدنيا. وينعكس الإشكال نفسه على الحشر كله، هل يتم الحشر دفعة واحدة أم على فترات متعاقبة؟