تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يأتي الإنكار من أن الإعادة كلها من عمل الوهم، وأن الهلاك إنما يعني التقابل لكل ممكن، وأن ذلك يتطلب إعدام الجنة والنار، وأنه يستحيل إعادة المعدوم.

23

ويستمر إنكار الحالة الخاصة، وهي حشر الأجساد، بحجج جديدة مستمدة من حجج المبدأ العام، وذلك مثل قدم العالم؛ وبالتالي يستحيل الحشر، أو إن الجنة والنار إما في هذا العالم أو في عالم آخر، وإذا كانتا في هذا العالم فإما أن تكونا في عالم الأفلاك أو في عالم العناصر، والأول ليس فيه فساد ولا فناء ولا ألم؛ وبالتالي لا إعادة له؛ لأنه باق، والثاني يوجب التناسخ. ويستحيل في عالم آخر؛ لأنه لا وجود للشكل الكروي خارج العالم. وقد تكون الحجج أكثر حسية بعيدة عن موضوع العالم، مثل لو أكل إنسان إنسانا، وأصبح المأكول جزءا من الآكل، فكيف يعود المأكول؟ وهل إذا عاد الآكل يعود المأكول ضرورة؟ وهل يكون المأكول إذا عاد فردا مشخصا؟ وإذا كان القصد من الحشر الإيلام أو الإلذاذ، فالإيلام لا يصح من الحكيم، والإلذاذ باطل لورود العقاب.

24

والحقيقة أنها في معظمها حجج صورية طبيعية ميتافيزيقية للإنكار، يرد عليها إما بحجج مثلها، أو بحجج أخرى تعتمد على التجربة الإنسانية. فالإعادة أسهل من الابتداء، والقادر على الأول قادر على الثاني بطريق الأولى. وقد يؤدي إنكار الإعادة وحشر الأجساد إلى القول بوجود أبعاد وامتدادات لا متناهية لضرورة وجود أجسام لا تتناهى؛ وبالتالي القول بقدم العالم؛ مما ينافي القول بالحدوث، وهو ما يحيل إلى نظرية الوجود من جديد في المقدمات النظرية الأولى. ولكن قد تئول الإعادة مع حشر الأجساد بأن الغاية منها ليست العقيدة النظرية التي تطابق واقعة مادية يمكن معرفتها بالعلمين الطبيعي أو الإلهي، بل الغاية منها عملية صرفة؛ فالإعادة وحشر الأجساد الغاية منهما الترغيب والترهيب، وحث الناس في حياتهم على العدل، وإبعادهم عن الظلم؛ حتى يصلح حالهم في الدنيا. وتأويل أمور المعاد على هذا النحو مثل تأويل الصفات؛ فالغاية من العقليات والسمعيات واحدة، وهي توجيه النفس في الدنيا، وليس إعدادهم للآخرة. أما حجة الاحتياط فهي رهان على الحشر، حتى إن خسر الإنسان في حالة عدم وقوعه لا يخسر شيئا، وإن كسب في حالة وقوعه فإنه يكسب كل شيء. وهناك تكون الحياة مقامرة، والعقائد رهانا، الغاية منها أيضا المكسب العملي في الدنيا؛ فحساب الآخرة إنما يتم تحصيله في الدنيا؛ فلا وجود ليقين نظري في أمور المعاد، إنما اليقين عملي خالص.

25

وكأن القرآن من قبل قد جادل المنكرين للحشر كما يجادل المتكلمون الفلاسفة؛ وبالتالي دخل الموضوع في علم العقائد من مناقشتين تاريخيتين؛ الأولى في بداية الحضارة في أصل الوحي، والثانية بعد اكتمالها.

26 (3) البعث

ثم تتحدد المسألة أكثر فأكثر، وتتحول من مجرد مسألة ميتافيزيقية، إعادة المعدوم بوجه عام إلى حشر الأجساد بوجه خاص، إلى موضوع البعث الذي يجمع بين العام والخاص؛ ففي إعادة المعدوم الأولوية للفعل وللقدرة الإلهية، في حين أنه في البعث الأولوية للشيء. والبعث والنشور معنى واحد، وهو الإخراج من القبور. وحشر الأجساد يعني سوقها إلى الموقف المسمى بالحشر بعد بعثهم من القبور المسمى بالنشر. فهي كلها معان متقاربة، والخلاف بينها في التوقيت؛ أي في وقت الحدث. فالبعث والنشر أولا ثم الحشر ثانيا. الأول الخروج من القبور، والثاني الوصول إلى الموقف. والمهم هو عموم البعث، وليس بعث فرد بعينه؛ لأنها قضية مبدأ، وليست قضية شخص.

27

ويتم البعث عن طريق تجميع الأجزاء الأصلية من أول العمر إلى آخره حتى ولو قدمت، ويتم البعث ابتداء من العظم بعد أن يتحلل اللحم وتأكله الديدان؛ فالعظام هي التي تحيا يوم القيامة، كما أنها ما يخلق قبل أن يكسوه اللحم.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٣٦