تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

فالإعادة صياغة نظرية لتجربة إنسانية تريد الإبقاء على الماضي حاضرا ومستقبلا؛ حتى ينكشف الحق، ويظهر العدل. وما الزمان ذاته إلا مرآة للخلود. ويحيل أقل الزمان إلى كل الزمان بالضرورة. أما الوجوب العقلي فإنه لقانون الاستحقاق، ثواب المطيع وعقاب العاصي، وهو قانون عام بصرف النظر عن أوجه تحققاته وتشخيصها، بإعادة المعدوم وحشر الأجساد والحساب واليوم الآخر والجنة والنار.

وإذا كانت الإعادة للأجسام، فهل تكون للجواهر أم للأعراض أم لكليهما معا؟ وهو مبحث ميتافيزيقي صرف، يعود إلى نظرية الوجود في المقدمات النظرية الأولى،

13

بل وتغلب عليها المباحث الطبيعية في الجواهر والأعراض وأنواع الأعراض وأجناس الحركات والتقديم والتأخير، مما يخرج الموضوع من مستواه الإنساني، وهو الرغبة في مقاومة الموت والاتجاه نحو الخلود، إلى مستواه الطبيعي أو الميتافيزيقي الصوري الخالص.

14

ومع ذلك فإن الإعادة للأجسام دون الأعراض تجعلها مركزة على الأقوى؛ وبالتالي تسهل إعادة الأضعف، خاصة وأن الجواهر لا تنفك عن الأعراض، وأن الأعراض لا توجد دون الجواهر، وأن القادر على إعادة الجواهر يكون أقدر على إعادة الأعراض. وإذا كان المعاد معنى، والمعنى لا يقوم بالعرض، يكون المعاد فكرة، والفكرة ليست في العرض، بل في الذهن. وتثار قضية جواز إعادة الأعراض على أساس أنها هي الإشكال؛ لأن الأعراض محمولة على الجواهر، وإعادتها لا تمثل اعترافا بقدرة أو بعلم زائد؛ نظرا لأنها قد تتبع إعادة الجواهر؛ فالجواهر لا تتعرى عن الأعراض، والأعراض لا تعود بأعيانها، بل بإعادة الجواهر. وما الفائدة من إثبات قدرة على الأضعف؛ أي إثبات الأعراض وإعادتها؟ ألا يكون إثبات الجواهر وإعادتها أجدى؟ وما الفائدة من إعادة الأعراض وهي أضعف من إعادة الجواهر؟ إن إعادة الجواهر، وليس الأعراض، أقرب إلى العقل، وإلى التعامل مع الماهيات والأسس. وإن قسمة الأعراض إلى باق وغير باق، وجواز إعادة الأولى دون الثانية، هي قسمة تدخل تصور الجوهر في الأعراض؛ إذ إن العرض الباقي هو الجوهر، وتكون أقرب إلى إعادة الجواهر دون الأعراض؛ لذلك كان من تحصيل الحاصل القول بالإعادة الشاملة للأجسام والأعراض معا، بالرغم مما يدل عليه القول من تأكيد على الإعادة دون تفريق بين الموضوعات. فإذا كان الإيجاد الأول للجواهر والأعراض معا، فكذلك تكون الإعادة الثانية أسوة بالإيجاد الأول.

15

ويبدو أن الغرض من الإعادة ليس فقط تطبيق قانون الاستحقاق، ولكن إثبات القدرة الإلهية، ورجوع إلى أصل التوحيد، وإثبات لجهل الإنسان الذي لا يعرف كيفية بعض الأعراض، ولكن الله أعلم بها. فما كان في مقدور العباد لا تصح إعادته؛ لأن الإعادة دليل على القدرة الإلهية؛ وبالتالي لا بد من سلبها من الإنسان، خاصة إذا كانت أفعالا فردية خاصة، وليست أفعالا نوعية. وإذا كان ما يجهل الإنسان كيفية إعادته يعود، وما عرف الإنسان كيفية إعادته لا يعود، تكون الإعادة كما هي إثباتا للعلم الإلهي؛ فما يجهله الإنسان يعلمه الله، وما يعلمه الله يجهله الإنسان. والحقيقة أن قضية إعادة المعدوم بعينه قضية ميتافيزيقية خالصة، وما يهم هو إعادة الروح إلى البدن؛ حتى يمكن الحساب. فهي قضية خاصة في الإنسان، وليست قضية عامة في الطبيعة.

فإذا ما عادت الأجسام جواهر وأعراضا، فكيف تتم الإعادة؟ قد تتثبت إعادة المعدوم من لا شيء؛ لأن العدم كلي شامل لا يبقي على شيء؛

كل شيء هالك إلا وجهه . والله هو الأول والآخر، الظاهر والباطن، لا يبقى معه شيء. بدأ الخلق من لا شيء، ويعيده من لا شيء. والأجسام نفسها تقبل الوجود والعدم، والله قادر على كل الممكنات، عالم بكل الجزئيات. ألا يتطلب ذلك أن يهلك الله كل شيء؛ الملائكة والجن والشياطين والمردة والحور العين والولدان المخلدون والجنة والنار؛ حتى لا يبقى معه شيء قبل البعث والنشور؟ والحقيقة أن هذه الحجج على جواز إعادة المعدوم من لا شيء، إنما هي حجج لاهوتية تثبت قدرة الله، وليست حججا طبيعية تثبت إمكانية الإعادة من عدم، وهي أدخل في أصل التوحيد لإثبات صفتي العلم والقدرة أكثر من دخولها في إثبات المعاد، وهي نفس فكرة الخلق من لا شيء، تعاد من جديد بالنسبة للإعادة بطريق الأولى؛ فالقادر على الخلق من لا شيء يكون أقدر على إعادته من لا شيء.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٣٣