تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26

ثم يوصف عذاب القبر على نحو تفصيلي؛ فمنه ضم القبر وضغطه على الميت، حتى يهشم ما تبقى من ضلوع الجسد، حتى تلتقي حافتاه ويصبح الجسد بين المطرقة والسندان! وكيف تتحرك جدران القبر وتتحرك الأرض؟ وماذا تفعل للذي حوت جثته الماء، أو أنياب السبع ومعدته، أو أفواه الديدان؟ وماذا عمن بقي في العراء بلا قبر؟ وقد تكون ضغطة الكافر مثل سقوط السقف على العظام، أو تهشيم الترام الأرجل، أو زنقة القفص الصدري بين الركبتين. أما المؤمن فضغطة القبر عليه تكون مثل ضغطة الأم الشفيقة على ولدها من السفرة العبيقة! وهو تصور إنساني خالص، وصورة شعبية للذة الالتصاق التي يصعب التفرقة فيها بين الألم واللذة.

وكيف تفرق الأرض بين المؤمن والكافر، فتضم الأول برفق وتعصر الثاني وتهشم أضلاعه؟ وإن كان بالصحراء أو باليم، هل يضم عليه الجو، أو تخنقه المياه، ويضيق عليه المكان؟ وقد يقوم بالعذاب الوحوش؛ تسعة وتسعون تنينا تنهش لحم الميت وتلدغه؛ لإعراضه عن أسماء الله التسعة والتسعين، كل اسم بتنين! فإن لم تكن هناك عظام لتهشيمها فهناك لدغ العقارب والحيات، وإن لم يكن هذا ولا ذاك فهناك الضرب. وماذا لو مات الإنسان من شدة ضغط العظام أو نهش اللحم أو اللدغ أو الضرب؟ هل يموت ثم يحيا ثم يموت، وهكذا إلى أبد الآبدين؟ وهل هو تعذيب في سجون الدنيا وعذاب في القبور طريقا إلى الآخرة؟ وكيف تتكلم الأرض وتنذر الكافر وتبشر المؤمن؟ كلام الأرض زهد وتصوف وسوداوية، ورفض للعالم، واحتقار للإنسان، ولفظ له حيا وميتا. وتأتي كثير من التصورات من التصوف، حيث يذخر بالخيال الشعبي واصفا حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.

27

ويستثنى من عذاب القبر الأنبياء وآل البيت؛ إذ تحنو الأرض على فاطمة أم علي؛ فقد ألحدها الرسول ونزع قميصه ووضعه عليها؛ حتى لا تمسها النار أبدا!

28

وهل يبقى القميص إلى يوم القيامة؟ وما شفاعة قميص؟ كالشرطي يلصق شرائطه على الحائط ويذهب، ويقف العسكر صفا أمامها لا يتحركون؛ فهي بديل عنه ورمز له، وحافظة للنظام في غيابه. ولماذا فاطمة أم علي، وليس فاطمة زوجة علي، وليس عليا ذاته أو بنيه؟ ولماذا قارئ سورة الإخلاص في مرضه، وليس قارئ القرآن في صحته؟ ألا يستثنى من العذاب إلا الإنسان في حالة الضعف وبمجرد الإيمان بالوحدانية دون ممارسة العدل؟

ويتم عذاب القبر في البرزخ. والبرزخ يعني الانتقال من مكان إلى مكان أو من زمان إلى زمان؛ فهو مفهوم يختلط فيه المكان والزمان معا. وهو لفظ قرآني يشير إلى المكان أكثر مما يشير إلى الزمان، ويكثر استعماله في التراث الشيعي وفي الفكر الصوفي. وقد يكون لفظا أعجميا أكثر من كونه لفظا عربيا. ولماذا تكون هناك مرحلة متوسطة بين الحياة والموت، حياة هي موت، وموت هو حياة؟ ولكن إيقاع الأصوات يدل على أن الحوادث تحدث في الزمان، وأن الزمان به مراحل كما أن المكان به مراتب. يحيا الإنسان مرتين، ويموت مرتين؛ يحيا في الدنيا ثم يموت، ثم يحيا في القبر مرة ثانية، وتنتهي حياة القبر بعد المساءلة والعذاب، ثم يموت ميتة ثانية حتى يبعث من جديد، فيحيا بعد البعث والنشور. قد تكون الحياة الثانية، حياة القبر، نموذجا أو «بروفة» لما سيحدث بعد ذلك، وقد تكون استمرارا للحياة الدنيا والجسد ما زال دافئا ولم تسر فيه برودة الموت بعد؛ لذلك فهي حياة متوسطة، مثل البرزخ، بين الحياة الدنيوية والحياة الأخروية. وقد يرفع العذاب يوم الجمعة وفي شهر رمضان. وإن مات الإنسان يوم الجمعة أو ليلتها يكون العذاب ساعة واحدة؛ وذلك بحرمة النبي. ولماذا يتفاضل الزمان؛ يوما في الأسبوع هو يوم الجمعة أو ليلتها، أو شهرا في السنة هو شهر رمضان، لا تكون فيه ضغطة القبر؟ هل هي لحظات متميزة في الزمان؟ ولماذا يعود العذاب بعد ذلك؟ هل هو التعذيب؛ فالعذاب المنقطع أشد على الإنسان من العذاب الدائم؛ فبعد أن تندمل الجروح ويبرأ الإنسان تتقيح الجروح، وينتكس المريض ويعاوده الألم؟ وكيف يبدأ العذاب بين النفختين في الصور مع سؤال الملكين ، والنفخ في الصور من علامات الساعة، والساعة لم تقم بعد؟ والنفخ في الصور يعني ازدواج الصورة السمعية مع الصورة المرئية. ولماذا تموت الملائكة بين النفختين وكلها حياة أبدية، ولا داعي لموتها؟ ومن الذي يقوم بوظائفها بعد موتها؟ وكيف يبدأ عذاب القبر والحساب النهائي يوم البعث لم يتم بعد، والمحاكمة لم تعقد بعد، ولم يسمع فيها قول الشهود أو دفاع المتهم، بل ولم يصدر فيها حكم القاضي؟ وما وجه السرعة في إنزال العذاب بالكافر وبمن يستحق العقاب وهو لن يفر من قبره، ولا ملجأ أو مخبأ له؟ وهل يستعجل الله عذاب البشر إلى هذا الحد؟ هل الله سوداوي منتقم جبار إلى هذا الحد؟

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٢٨