ويبدو أن الغاية القصوى من حياة القبر وسؤال الملكين هو في النهاية عذاب القبر للكافرين ونعيمه للمؤمنين؛ ولذلك قد يكون هو الموضوع الوحيد المذكور في الأخرويات، مع البرهنة عليه والدليل على وجوده. وأحيانا يكون عنوانا للموضوع كله عن طريق تعريف الشيء بعلته الغائية وهو عذاب القبر، وليس بعلته الفاعلة وهي حياة القبر. وبالرغم من أن الأدلة جميعها من الأخبار والروايات البعيدة التأويل من القرآن والمشهورة في الحديث، إلا أن بعض الأدلة يقوم على قياس الغائب على الشاهد دون إعطاء أدلة عقلية صرفة، ودون الرد مسبقا على المعارض العقلي. ومثال ذلك حياة النائم بين الحياة والموت أو حالة المرض أو الصراع أو المغمى عليه. وقد يكون المثل هو الوحي ذاته، عندما يرى الرسول جبريل ولا يراه من حوله.
21
وهذه الأمثلة كلها لا يجوز القياس عليها؛ فالنوم وحالات المرض ورؤية الرسول لجبريل، كل ذلك إنما يتم أثناء الحياة، وليس بعد الموت. ولا يمكن قياس ما يحدث بعد الموت على ما يحدث قبل الموت؛ نظرا لاختلاف الفرع مع الأصل. إنما يمكن فقط إرجاع تصورات ما بعد الموت إلى نشأتها في الحياة؛ تعبيرا عن تجربة بشرية؛ الرغبة في تجاوز الموت، وتعدي الانقطاع، واستمرار الحياة. ومع ذلك تظل الأدلة الغالبة لإثبات عذاب القبر ونعيمه هي الأدلة النقلية المستمدة معظمها من الحديث، وليس من مصدر الوحي الأول وهو القرآن. وما ذكر من المصدر الأول تأويل بعيد؛ فالمعيشة الضنك لا تشير إلى عذاب القبر، وما ذكر من المصدر الثاني إما أنه غير متواتر بل مشهور، والمتواتر منه لا يعني النار فيه عذاب القبر في الدنيا في حياة القبر، بل في الآخرة، وقد يعني البعض منها تشبيها وتورية وخصوصية للرسول، وقدرته على سماع ما لا يسمعه الناس أسوة بالوحي. والعجيب أن مثبتي عذاب القبر يئولون القرآن دون حاجة، ويأخذون الحديث حرفيا حيث الحاجة إلى التأويل.
22
وإن تجويز عذاب القبر بناء على جواز إحياء الموت في القبر لأن تعذيب الجماد لا يتصور، يعود إلى الموضوع السابق، وهو: هل تجوز إعادة الحياة إلى جسد الميت؟ ويكون إثباتا بشيء آخر يحتاج إلى إثبات، ويكون من الهدف رد الروح إلى الجسد وتصور نوع من الحياة، بل والحياة العاقلة، حتى يمكن للعذاب أن يتحقق منه هدفه، وهو وقوع عذاب القبر.
23
ولكن الحياة شرط العلم في الصفات، وليست شرط العذاب في أمور المعاد. وكيف تكون الحياة شرط العلم في العقليات، وتكون شرط عذاب القبر في السمعيات؟ ويظل الاعتراض قائما: وهل يحتاج إثبات عذاب القبر إلى شرط العلية وهو الحياة؟ أليس الله بقادر على إحياء الميت في القبر دون شرط العلية، سواء كانت علة فاعلة أو علة مقارنة؟ إن الله قادر على كل شيء، بما في ذلك إحداث الحياة في الميت بلا علة مقارنة.
24
وقد تكون الفائدة منه الردع والزجر، وحث الإنسان على فعل الخير. ولكن في هذه الحالة، أليس في عقاب اليوم الآخر ما فيه الكفاية؟ وما الفائدة من هذا الردع السابق لأوانه؟ وإن لم يرتدع العاصي من الردع الكبير، فهل يرتدع من الردع الصغير؟ وكيف يكون هناك ردع والأفعال حسنة وقبيحة في ذاتها؟
25
فإذا ما ثبت عذاب القبر حرفيا وشيئيا، هل يكون بالجسد، أم بالروح، أم بالروح والجسد، أم بالشخص؟ فإذا كان في الجسد، فهل يجوز العذاب في أجزائه إن استحال الكل؟ ما دام الله قادرا على كل شيء، فإن النعيم والعذاب يكونان في الأجزاء، كما يجوزان في الكل بقدرته. وعلى هذا النحو، يتم تأييد الروايات الظنية بالقدرة المطلقة؛ حتى يتأكد الظن السمعي باليقين العقلي، ويمحى الشك بالقهر، ويقضى على العقل بالإيمان. وفي هذه الحالة، يجوز كل شيء بالقدرة والإيمان، فيجوز العذاب لكل الجسد أو لأجزاء منه، مثل مساءلة الملكين. والجواز في العذاب أكثر قبولا؛ لأن الجسد يحس، في حين أن اليد والرجل لا ينطقان، ولا ينطق إلا اللسان. ولكن كيف يجوز تعذيب من اختفى جسده كلا وجزءا، سواء أكله السبع، أو طواه اليم، أو حوله الحريق إلى رماد؟ وكيف يعذب الجماد بلا حياة؟ وما الفائدة من العذاب ما دام لا يوجد إحساس بالألم؟ فإن صعب الحل يكون العذاب للأرواح والأجساد معا بعد أن تعود الأرواح إلى الأجساد. وهنا أيضا تنشأ صعوبة احتمال غياب الأجساد في بطن السبع، أو في أعماق اليم، أو بين ألسنة النيران، فلا تجد الأرواح ما تحل فيه وتعود إليه، وكأن الأجساد شرط وجود الأرواح. وهل يجوز تعذيب شخص في شخص آخر، تعذيب الإنسان مأكولا أو مهضوما في بطن السبع؟ وما الفائدة وألم الافتراس قد تم، وأصبح الإنسان عصارة معدية لا تتألم كإنسان، وإن تألمت فإن آلامها ستصيب السبع من معاصي الذي في بطنه؟ فإن استعصى الأمر يكون العذاب للأرواح وحدها دون الأجساد. حينئذ ما فائدة إثبات عودة الأرواح إلى الأجساد، وإيجاد مستقر للأرواح، ومساءلة الملكين، والجواب باللسان، وعذاب القبر من خلال الجسد؟ لا يبقى إلا أن يكون عذاب الأرواح صورة فنية؛ إسقاطا من الحاضر على المستقبل، وتصور المستقبل بناء على الحاضر؛ تعبيرا عن هم المستقبل وثقل الحاضر، والتخوف منهما معا. فالأفعال الماضية خاصة القبيحة منها تطل على الحاضر ، وتجثم على المستقبل، فيشعر الإنسان بآلام الضمير ووخز النفس عندما ينكشف الحجاب، وتسقط الأقنعة، وينتهي العمر.