تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29

ونادرا ما يتم الحديث عن نعيم القبر، أو وصفه بمثل هذه الدقة والتلذذ، كما يتم ذلك في وصف عذاب القبر! بل إن عنوان الموضوع عذاب القبر، وليس نعيم القبر. ومع ذلك فإن نعيم القبر يكون بأن يتحول القبر إلى جنة، بفرشها الوثير، وروائحها الطيبة، وحياتها الناعسة. يصبح القبر روضا من رياض الجنة، به زرع وحياة وماء ورباحة في المكان. يتسع القبر ويصبح فسحة من المكان إلى البلد البعيد الذي يشتاق إليه الإنسان، وبه غلمان وولدان تؤنس المطيع في وحدته إن كان من أهل العلم، به نور وشاب جميل بيده قنديل، دونما ذكر للجنس طبقا لعادات البيئة الصحراوية وممارسات البدو، وإن كانت هناك مقدماته والتمهيدات له. وقد يكون الشاب الجميل تشخيصا للعمل الصالح، وقد تكون صحبة الغلمان تعويضا عن وحدة العالم وعزلته في الدنيا مع القلم والقرطاس؛ استباقا للحور العين في جنة النعيم.

30

وبإدراك صور النعيم يدرك التقابل بينه وبين العذاب، ونشأة الصورة الفنية بقياس الغائب على الشاهد. فتوسيع القبر في مقابل ضغطه، ورحابة المكان في مقابل ضيقه، وجعل القنديل فيه ضوء مقابل الظلمة، وفتح طاقة فيها هواء في مقابل الاختناق، وانفتاح في مقابل الانغلاق، وامتلاؤه بالريحان مقابل عفن الجيفة، الرائحة الطيبة في مقابل الرائحة النتنة. وهل في القبر نعيم، في ظلمته ووحدته ووحشته وعزلته، وديدانه وتعفنه وتحلل الجسد فيه؟ وكيف يتم النعيم في القبر في وحشته وظلمته ورائحته وعزلته وغربته وصمته مثل صمت القبور، وفقره وترابه وديدانه وحشراته، وفوقه موبقات سكان القبور، وحوله شراذم العصاة والمذنبين والفارين؟ أم إن النعيم يكون بتخفيف العذاب والخنق والضغط والروائح العفنة؟ وبالتالي يرجع السؤال الأول: هل هناك عذاب القبر؟ وهل هناك حية فيه؟ ومع ذلك يظل التركيز على عذاب القبر دون نعيمه؛ للترهيب لا للترغيب، وكأن الحياة توضع خصيصا للعذاب، وكأن الحياة للعذاب، وكأنما تعاد الحياة إلى الجسد في القبر كي يتعذب الإنسان من جديد، عذاب في الحياة، وعذاب في الممات! أليست هذه نظرة سوداوية، واتجاها تشاؤميا في الحياة، وصادية يتلذذ بها صاحبها بالتفنن في عذاب الآخرين؟ وهل أصبح الألم له مثل هذا الوجود الضاغط، بحيث يتحول إلى عقيدة في علم أصول الدين؟ ألم يبعث الرسول هاديا ولم يبعث جابيا؟ وكيف يكون للعذاب كل هذا الثقل ممن عرف عنهم أنهم من أهل الرحمة؟ وكيف يخلق العقل للتعذيب والتمتع بالعذاب، والعقل نور العلم ونعمة الفكر وطريق الهداية، وكأن وظيفة العقل هي تبرير الشر وتقبله، وليس الاعتراض والتمرد عليه؟ وهل يعذب العقل وهو نعمة من الله وروح منه؟ وهل خلق الله الحياة للتعذيب أم للنعم والتمتع بخيرات الله؟ أليست الحياة كالعقل إحدى نعم الله؟

فإذا كان العذاب للعصاة، فإن النعيم يكون للمؤمنين؛ فالعذاب للمؤمنين الفاسقين العصاة والكافرين على حد سواء. فإذا كان كافرا يدوم عذابه إلى يوم القيامة، ولا يرفع عنه إلا يوم الجمعة أو ليلتها، وفي شهر رمضان لحرمة النبي، فلا يعذب أحد كافرا أو مؤمنا لحرمته. وإن كان مؤمنا عاصيا ينقطع عنه العذاب يوم الجمعة وليلتها وشهر رمضان، ثم لا يعاوده العذاب إلى يوم القيامة. وكأن العذاب له يدوم لمدة سنة واحدة ثم ينقطع! وإن كان مؤمنا مطيعا تكون له ضغطة خفيفة تذكره بهول الموقف؛ لما تنعم بنعم الله ولم يشكر. وكأن العذاب قادم قادم، والألم وارد وارد عند الجميع، لا فرق بين مؤمن وكافر، ولا فرق بين مؤمن عاص ومؤمن مطيع .

31

وقد يرفع العذاب عن المؤمن العاصي بدعاء أو بصدقة؛ أي بفعل الآخر، وليس بفعله هو، وهو ما يناقض قانون الاستحقاق. وهل الصدقة وهي فعل، مثل الدعاء وهو مجرد قول؟ أليست الصدقة عطاء والدعاء شحاذة؟ أليست الصدقة صورة ومضمونا وتقوى وشيئا، في حين أن الدعاء صورة بلا مضمون، تقوى فارغة بلا شيء؟ العذاب إذن نوعان: دائم للكفار والعصاة، ومنقطع لبعض العصاة بدعاء أو صدقة. ويكون دور الآخر هو رفع العذاب عن الذات بدعاء وهو مجرد قول، أو بصدقة وهو فعل؛ وبالتالي فهو أفضل. قد يعني ذلك استمرار إمكانية تغير مستقبل الميت بفعل الآخر، كاستمرار فعل الميت في حياة الآخرين. قد تكون هذه دلالة على الترابط الاجتماعي، وقد تكون دلالة على استمرار الأمل لتخفيف العقاب؛ إيثارا للعفو على العقاب، وللرحمة على العدل. فلا نهاية لإمكانية الإنقاذ، ولا مكان لليأس؛ فإنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون. ولا يعني الإيمان في هذه الحالة إلا الأمل المستمر بلا حدود.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٢٩