تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

والآن، لماذا يسأل الملكان والميت الحي يجيب؟ وهل يقتصر دور الإنسان وهو في هذه الظروف غير العادية على الإجابة؟ إن السؤال أقوى من الجواب، والجواب مشروط بالسؤال. السؤال يدل على قوة السائل، في حين أن الإجابة تدل على ضعف المجيب؛ لذلك كان السؤال والجواب أقرب إلى الاستجواب، كما يتم في أقسام الشرطة لتحرير المحاضر، أو في أجهزة المخابرات للتعرف على الجناة. وهل هناك اعتراضات وشهود؟ هل هناك تسجيل وتدوين؟ هل هناك تسجيل للحساب؛ مناقشة وردود واعتراضات؟ وما الهدف من السؤال وكل الإجابات معروفة سلفا، قد تم تدوينها في صحائف الأعمال في الدنيا، وتعرض على الإنسان في الآخرة، فيأتيها المؤمن بيمينه والكافر بشماله؟ فإذا كان حساب المناقشة وطلب العلية أهم من حساب العرض الإخباري الخالص، يكون سؤال الملكين في القبر أهم من الحساب الختامي. ولماذا حساب المناقشة المبدئي والله وملائكته يعلمون الرد، وكل شيء لديهم في لوح محفوظ؟ لماذا السؤال والإجابة عليه معروفة سلفا، ومدونة في صحائف الأعمال؟ ألا يعرف الملكان الإجابة قبل السؤال؟ إذن يكون السؤال في هذه الحالة أقرب إلى الامتحان الكاذب أو الاختبار الخادع؛ لأنه لا توجد فرصة للمراجعة أو التعلم أو التوبة. وإذا كانت الحكمة من السؤال إظهار المؤمنين من بين العصاة، أليس ذلك معروفا من قبل؟ وهل يحتاج الله إلى أن يتباهى أمام الملائكة بالمؤمنين؟ وهل من صفات الله أن يفضح الكافرين أمام الملائكة أم ستر عيوبهم؟ وكيف يفضح الله الكافرين أو يشمت فيهم أمام الملائكة والزمان ما زال، والميت في القبر، والصلاة على الميت والدعاء له مستمر من الآخر، ويوم البعث لم يحن بعد؟ ألا يصيب ذلك المؤمن بالغرور والكافر بالحسرة؟ وماذا عن دفاع الكافر بأنه ما زال في القوس منزع؟ وكيف يصدر الحكم عليه قبل الدفاع، ويدان قبل المرافعة؟ إن هذا لأشبه بالحساب قبل يوم الحساب أو بحساب صغير قبل الحساب الكبيبر، بتدريب على الحساب وتمرين عليه، بتمثيل حساب قبل الحساب النهائي الفاصل، وإلا فكيف يبدأ الحساب قبل قيام الساعة؟ هذا هو هم الساعة قبل الأوان. يتراءى المستقبل في الحاضر كما يتراءى الحاضر في الماضي. والعجيب أنها كلها أسئلة نظرية خالصة عن التصورات والمعارف، وليس أسئلة عملية عن النظم والأفعال، وكأن الإيمان له أولوية على الأفعال، وكأن النظر له وجود مستقل عن العمل؛ فالأسئلة كلها عقائدية حول الله والرسول والدين، وليست أسئلة عملية حول تطبيق الشريعة أو حقوق الإيمان وواجبات المكلف. والأعجب من ذلك كله عدم تساوي الأسئلة من حيث الصعوبة بين المؤمن والكافر. فتعطى الأسئلة السهلة للمؤمنين والصعبة للكافرين؛ حتى تسهل إجابة الفريق الأول، وتصعب إجابة الفريق الثاني محاباة وتحيزا، وهو ما يناقض أبسط قواعد العدل وتكافؤ الفرص. وكيف تختلف أحوال السائلين في الضعف والشدة، في الرفق أو الغلظة، في المساعدة وعدم المساعدة، في السهولة والصعوبة، في طول المدة أو قصرها، في وضوح الموضوع وغموضه، في تكرار السؤال وعدم تكراره، وفي عدد السائلين؟ وهل من العدل أن يعطى المؤمنون أسهلة سهلة في موضوعات واضحة في مدة طويلة مع مساعدة الملكين لهم ومعاملتهم الرقيقة معهم، في حين يعطى الكافرون أسئلة صعبة في موضوعات غامضة وفي مدة قصيرة ودون مساعدة وفي معاملة غليظة؟ وكيف لا تكون الأسئلة واحدة لكل من الفريقين، المؤمنين والكافرين، فيسأل البعض في أجزاء، بينما يسأل الآخر في الكل؟ كما تكون الأسئلة عامة للبعض وخاصة للبعض الآخر. وتكون الأسئلة عن الأشخاص بلا تعظيم لهم؛ حتى يكون للإنسان جرأة على الحكم بلا خوف من العظماء، وبلا تبجيل لهم، كما هو الحال في الدنيا. ويدل ذلك على إسقاط أمور الدنيا على بدايات الآخرة عن طريق النفي والسلب، وكأن قياس الغائب على الشاهد ليس فقط هو أساس العقليات في أصلي التوحيد والعدل؛ مما يؤدي إلى التجسيم والتشبيه، بل والتنزيه، بل أيضا هو أساس السمعيات في أمور المعاد. والأعجب من ذلك كله هو حدوث غش في الامتحان عندما يساعد الملكان المؤمن في الإجابة، ولا يساعدان الكافر، بل إن الأمر يصل بالملكين إلى حد التدليس على الكافر؛ حتى يوقعاه في الخطأ عنوة، ثم بعد ذلك يعذب في القبر وفي الآخرة بعد الحساب النهائي؛ جزاء له على خطئه! وكيف يكون الملكان معصومين من الخطأ طبقا لعصمة الملائكة، ثم بعد ذلك يقومان بالتدليس على الكافر، فيزيدا شقاءه شقاء، وعذابه عذابا، وهو ما يناقض الرحمة الإلهية، خاصة إذا كان الغرض من سؤال الملكين هو إعطاء فرصة للعصاة من أجل النجاة؟ وهل لا بد أن ينجح المؤمن بالضرورة وأن يرسب الكافر بالضرورة؟ وقد يكون لدى الكافر جواب سديد صريح، ولا يكون لدى المؤمن إلا النفاق والرياء. قد يكون عند الكافر إبداع أصيل، ويكون عند المؤمن تقليد مميت. يبدو أن ظروف السؤال كامتحان تناقض العدل؛ وبالتالي تناقض السمعيات العقليات. وفي هذه الحالة تبقى العقليات، ويعاد تأويل السمعيات؛ حتى تتفق مع العقليات، وتفهم أمور المعاد طبقا لأصل العدل.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٢٢