تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

وقد تكون الأرواح في مكان روحي متسق مع طبيعتها، وهو أقرب إلى الزمان منه إلى المكان، وهو البرزخ الذي تم فيه «عهد الذر»؛ فقد خلق الله الأرواح جملة، وهي نفس الأنفس العاقلة الحاسة، وأخذ عهدها وشهادتها وهي مخلوقة مصورة عاقلة قبل أن يأمر الله الملائكة بالسجود لآدم، وقبل أن يدخلها في الأجسام والأجساد يومئذ تراب وماء، ثم أقرها حيث شاء، وهو البرزخ، والذي ترجع إليه بعد الموت. ولا يزال يبعث منها إلى الأجساد المتولدة من المني المنحدر من أصلاب الرجال في أرحام النساء، ثم يتم امتحان الناس واختيارهم في الدنيا. وبعد الوفاة تعود الأرواح إلى البرزخ الذي منه أتت. رآها الرسول ليلة الإسراء والمعراج عند السماء الدنيا؛ أرواح أهل السعادة على يمين آدم، وأرواح أهل الشقاء على يساره عند «منقطع العناصر». وهنا يتم الخلط بين الزمان والمكان؛ فالبرزخ زمان، ومنقطع العناصر والسماء الدنيا مكان. وتعود الأرواح من جديد إلى الأجساد من البرزخ إلى القبور يوم البعث والنشور وحين قيام الساعة، وهي الحياة الثانية. فالحياة الثانية ليست في القبر، بل استعداد لليوم الآخر. وتنقسم الأرواح فريقين: السعداء على يمين آدم، والأشقياء على يساره. وهو تصور مكاني. كما تعجل أرواح الأنبياء والشهداء والسعداء إلى الجنة، وتتباطأ أرواح الأشقياء إلى النار، وهو تصور زماني. وإن تصور البداية بالعهد قبل الأجسام يجعل من الصعب تصور إمكانية الخطأ، وإلا كانت الأجساد أقوى من الأرواح، مصدرا للنسيان؛ نسيان العهد، وإنكارا للشهادة.

7

إن الحكمة من الإسراء هي التدليل على إمكانية تحويل عالم الغيب إلى عالم شهادة يمكن رؤيته؛ أي إدراكه بالحواس، ومعايشته بالتجربة. ولا يمكن تأويل «عهد الذر» على أنه عهد التزام بالطاعة، وإلا كان حجة للبشر لا عليهم، وإسقاطا للأمر، وإلا لما وجد على الأرض إلا مؤمن؛

8

لذلك يأتي التصور الآخر للروح على أنه عرض في مقابل هذا التصور الماهوي على أنه جوهر؛ فالروح عرض لا يبقى وقتين، يعود ثم يفنى آلاف المرات في الثانية الواحدة. هو روح متجدد، صيرورة الحياة والموت، انتقال من الوجود إلى العدم ومن العدم إلى الوجود.

9

وهو تصور أقرب إلى التصور العلمي القائم على التوحيد بين الروح والمادة؛ فإذا كان التصور الأول يقوم على ثنائية الروح والبدن والتمييز بينهما ومفارقة أحدهما للآخر، فإن التصور الثاني يقوم على التوحيد بين الروح والبدن، وعلى أحادية النظرة للإنسان. وما الروح والبدن أو الحياة والموت إلا حالتان يتبدل عليهما الإنسان، وينتقل من إحداهما إلى الأخرى. وفي مقابل هذين التصورين الميتافيزيقيين تركز إحدى الحركات الإصلاحية الحديثة على تحريم زيارة قبور الصالحين والأولياء دون الدخول في المتاهات القديمة؛ إما لقصورها الفكري، أو لتركيزها على السلوك العملي للمسلمين؛ فالموت ظاهرة اجتماعية، والتبرك بالقبور وزيارتها تخل عن الاعتماد على النفس، وشرك بالتوحيد، وإنكار للعدل؛ أي لقدرة الإنسان النظرية والعملية.

10 (3) هل هناك سؤال للملكين؟

وسؤال الملكين أو جوابهما نيابة عن الإنسان نتيجة عودة الروح إلى الجسد؛ فلا حساب ولا سؤال أو جواب بدون حياة. وقد يكون الهدف من إعادة الروح إلى الجسد هو سؤال الملكين للميت في قبره، وامتحانه فيه، واستنطاقه مكنون نفسه قبل يوم الحساب. وقد يكون الهدف من السؤال هو إعادة الروح إلى الجسد، وإثبات حياة القبر؛ وبالتالي يتردد الإنسان؛ أيهما علة وأيهما معلول؟ هل إعادة الحياة إلى الجسد من أجل السؤال، أم إن السؤال من أجل إعادة الحياة إلى الجسد؟ وقد تعود الروح إلى الجسد دون أن يحيا الإنسان من جديد حياة اليقظة، بل يكون أشبه بحلم النائم؛ فإذا ما تيقظ الإنسان كلية فقد يعارض، وقد يفعل، وقد يختار. والنوم موتة صغرى، والموت نومة كبرى. وإذا ما عادت الروح إلى أجزاء الجسد وليس إلى جله، فكيف تتكلم أجزاء الجسد التي دفع الله بالحياة فيها؟ كيف يتكلم القلب وحده بلا لسان وشفتين؟ هل هناك لغة غير منطوقة بلا لسان وصوت وفم ، وبلا عقل وذهن وإدراك؟ وقد ترد الحياة إلى النصف الأعلى؛ لأن بها الرأس والفهم ومعظم الحواس، دون النصف الأسفل. وكيف يمكن إحياء جزء وترك الباقي؟ أليس الوعي كيفا خالصا دون كم؟ وهل يتجزأ الوعي الخالص أو يوجد في مكان؟ فإن استعصى السؤال للبدن، فإنه يكون للروح. فالسؤال في هذه الحالة لا يتطلب عودة الروح إلى الجسد، بل مجرد عودة الروح. والسؤال للروح الخالص أفضل من سؤال الجسد الميت. والأمثل هو سؤال الروح في البدن بشرط عودة الروح وحضور البدن. ومن أين تأتي الروح؟ وإلى أين تعود؟ هل تأتي من البرزخ، وتعود إلى القبر؟ وأين مستقر الأرواح؟

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٢١