12
ويتجاوز الأمر الامتحان إلى توقيع العقاب، فيضرب الكافر بالمرزبة عقابا له على جهله أو خطئه، وكأن الإجابة بعدم المعرفة خطأ، في حين أنه يخطئ من يفتي بغير علم. والحقيقة أن الإنسان ما دام عقله معه فهو قادر على الإجابة، بل قادر على أن يتحول من المسئول إلى السائل، وأن يأخذ بتلابيب الملكين ويسألهما بدوره عن ربهما ودينهما ورسولهما، فتنقلب الآية، ويصبح المسئول سائلا والسائل مسئولا. هذا السؤال هو فتنة القبرة، والملكان السائلان هما فتانا القبر، وكأن الإنسان لم تكفه فتن الحياة حتى تلاحقه الفتن حتى القبر! ولماذا يكون في القبر فتنة وهو مظلم، والميت قد انتقل من الدنيا إليه، وهو عالم جديد لم يألفه؟ ولماذا لا يكون هناك نوع من تخفيف العقاب، عذاب الوحدة والوحشة والظلمة والقبضة والضغطة والصمت؟
ولمن يكون سؤال الملكين في القبر؟ أللجن والملائكة؟ وهل عاشت الجن والملائكة في الدنيا وماتت ثم دفنت أجسادها وواراها التراب؟ وهل هي مكلفة ومحاسبة في الدنيا، وفي حاجة إلى فتنة في الآخرة؟ قد يكون السؤال للجميع باستثناء الملائكة والجن. وفي هذه الحالة، لماذا لا يسأل الملائكة؟ هل لأنهم غير مكلفين؟ ولماذا لا يسأل الجن؟ هل هم مكلفون مثل الإنس ما دامت لهم رسل مثلنا، وما داموا أمما مثلنا؟ وهل للملائكة والجن قبور يتم السؤال فيها؟ وهل تموت الملائكة والجن كما نموت نحن؟ وكيف يمنع الجن طاعة الإنسان في شهر رمضان؟ أيكون هو المسئول عن معاصي الإنسان فيه؛ وبالتالي يصطدم عمل الجن مع أصل العدل وخلق الإنسان لأفعاله؟ وكيف يسجن الجن في شهر رمضان؟ ومن الذي يطلق سراحه فيما بعد؟ ومن هم سجانوه؟ وكيف؟ وأين؟ وقد يستثنى الأنبياء من السؤال وأطفال المسلمين والصبية والعشرة المبشرون بالجنة والصديقون والشهداء وقراء القرآن، وقد تتوالى الاستثناءات حسب الاختصاص والإعجاب! فما الفرق بين قراء القرآن وحملة العلم؟ وما الفرق بين الأطفال وبسطاء الناس وحسني النية وأصفياء القلوب؟ ألا يكون ذلك ضد قانون الاستحقاق، والحكم سلفا قبل أن يصدر الحكم طبقا للأعمال؟ أم إن هؤلاء جميعا أحكامهم بديهية معروفة مسبقا، ليست في حاجة إلى إصدار بعد مداولة؟ وماذا عن معاصي الأنبياء وذنوبهم في حالة عدم العصمة؟ هل لأن الحسنة الكبيرة تحجب السيئة الصغيرة طبقا لقانون الإحباط والتكفير؟ وفي حالة عدم السؤال، كيف يسأل الأنبياء عن عقائد نظرية هم رسلها وحملتها والمبلغون بها والمؤتمنون عليها؟ وكيف يسأل الأنبياء عن جبريل والوحي، خاصة وكأن هناك شكا في علمهم أو إيمانهم بها؟ وكيف يسأل الصبية والأطفال عن عقائد نظرية وهم قبل سن التكليف؟ وكيف يساوى في السؤال أو عدم السؤال الأنبياء والأطفال أو الصبية والرسل؟ وكيف يسأل محمد خاتم الأنبياء والمرسلين والشاهد على الرسل والأمم؟ ولماذا لا يسأل ملازم سورة تبارك، أو من قرأ سورة الإخلاص في مرضه ثلاثا، أو من مات يوم الجمعة أو ليلتها؟ هل في القرآن إنقاذ؟ وهل تتفاضل سور القرآن؟ وهل يتفاضل الموت في أيام الأسبوع والإنسان لا حيلة له في تحديده، فلكل أجل كتاب؟ أليس من يقرأ القرآن في مرضه أخوف ممن يقرؤه في صحته؟ وهل هناك تفاضل في أسباب الموت؟ ومن مات بالطاعون فقد مات غيلة، ولم تعط له فرصة النجاة والتوبة. والطاعون هنا أشبه بحوادث الطريق، والسكتات القلبية، والموت الفجائي دون إعداد. قد يكون كل ذلك أقرب إلى الخيال الشعبي الذي يعبر عن تقديس الأبطال والقديسين واحترام العلماء وتقديس القرآن ويوم الجمعة، وتفضيل سورة على أخرى نظرا للسهولة العملية والمقتضيات الإجرائية، أو الموضوعات المطابقة للمواقف، مثل قراءة سورة «يس» على المقابر.
وإذا كان السؤال للكفار دون المؤمنين، فكيف يتم ذلك والإجابة معروفة سلفا؟ وهل الكفر نظري أم عملي؟ وإذا كان السؤال للمؤمنين أيضا مع الكافرين، فالجواب أيضا معروف سلفا، وإلا لما كانوا مؤمنين، ولما أمكن تمييزهم عن الكافرين. وكيف يلهم المؤمن الجواب وكأنه لا يعرفه، وكأن إيمانه أعمى، بالإضافة إلى أنه غش في الامتحان؟ وهل المؤمن عاجز عن الاعتماد على النفس والإجابة من علمه وإيمانه وتصديقه؟ ولماذا يضرب الكافر ولا يساعد مثل المؤمن في شيء، ويسرع إليه العذاب وكأن وقته قد حان، وساعة الحساب قد حلت؟ وإذا كان السؤال للمسلمين وحدهم، فهل يكون على المسائل النظرية، والحساب ليس على النظريات، بل على الأفعال؟ وما فائدة السؤال عنها والإجابة يعرفها المسلم مسبقا وإلا لما كان مسلما؟ وإذا كان السؤال للأمة كلها، فمن المسئول في الأمة؟ وإذا كان السؤال للأمم كلها، فالناس كلهم مسلمون مكلفون، حتى الذين لم تصلهم رسالة الأنبياء. وكيف يسأل اليهود والنصارى وهم أهل كتاب، لنا منهم أعمالهم دون تصوراتهم؟ وهل يكون السؤال عن عقائدهم الخاصة ورسلهم، أم عن أعمالهم التي يتساوى فيها الجميع؟ وكيف يحاسب الملكان كل الأموات، ولدى كل الأمم في كل أطراف الأرض؟