10
كما يتضح أن المبشرين بالجنة هم عادة أهل السلطة ودعاة السلطان، في حين أن المبشرين بالنار هم أهل المعارضة ودعاة الثورة الذين سموا أهل الأهواء، ومعظمهم من الفرق المعارضة. وما أسهل من قيادة العامة من المبشرين بالجنة، ومن حصار المعارضة باتهامها بأنها من أهل النار تنفيرا للعامة منهم، خاصة وأن العامة من أهل الجنة ومن المبشرين بها مع أهل السلطان سواء بسواء. فإن لم تكن هناك بشارة، فهناك على الأقل القطع بإيمان البعض مثل الملائكة أو الأنبياء؛ لأنهم مختوم لهم بالإيمان، ومشهود لهم بالعصمة. والحقيقة أن الاستحقاق لا يكون إلا للمكلفين من البشر، لا ينطبق إلا على الإنسان الذي حمل أمانة التكليف، والنبي كذلك. أما غير البشر من الملائكة والجن فلا ندري عنهم بالعقل شيئا.
11
قد يكون المؤمن المقطوع بإيمان هو ما سماه القدماء «شاهد الحال»، الذي يعذب في معتقده، ويتحمل الأذى لأجله، هو المؤمن قطعا. هنا يكون الإيمان هو التضحية بالذات في سبيل المعتقد، بصرف النظر عن مضمونه. أما إذا كان المضمون عاقلا مستمدا من أصلي التوحيد والعدل، فيكون «شاهد الحال» هو صاحب الاستحقاق.
12 (3) الشفاعة
الشفاعة أيضا، وربما أكثر من الموازنة والبشارة، تنال من شمول قانون الاستحقاق. وقد ارتبطت الشفاعة بالعفو؛ فكلاهما يعطيان مغفرة عن غير استحقاق لأصحاب الكبائر. وكما أن العفو والإحباط نقيضان، فالشفاعة والتوبة أيضا نقيضان، ومن جوز المغفرة بلا توبة جوز الشفاعة، ومن منعها منع الشفاعة. كما ترتبط الشفاعة بالوعد والوعيد؛ نظرا لأنها أحد شبه المرجئة في تخصيص الوعيد والاستثناء منه فيما يتعلق بدوام عقاب الفساق. وهي موضوع سمعي خالص لا يعتمد على الحسن والقبح العقليين، بل على النقل وحده، وعلى مطلق المشيئة. وقد زاد الموضوع أهمية في العقائد المتأخرة، مثل حال كل الموضوعات السمعية كفرصة لإظهار الغيبيات، وكل ما هو ما مضاد للعقل، حتى في الحركة الإصلاحية الحديثة. وكانت أهميتها قد زادت منذ البداية بعد ظهور البدع والحاجة إلى العفو كغطاء من الإيمان على قبح الأفعال.
13
والشفاعة من الشفع، وهو ضد الوتر؛ أي الثاني مع الأول، الآخر في مصاحبة الذات. فالشفاعة تدل على الجماعة والصحبة والتعاون واتجاه الفرد نحو الآخر والآخر نحو الفرد، كما تدل على حاجة الإنسان إلى الغير، فكأن صاحب الحاجة بالشفيع صار شفعا. وفي الاصطلاح مسألة الغير أن ينفع غيره أو يدفع عنه مضرة. فالشفاعة بهذا المعنى هي اختيار الأصلح من أجل الإنقاذ، وموضوعها وصول المشفوع له إلى حاجته، وهي إما طلب نفع أو دفع ضرر.
14
ولكن يظل السؤال: هل هو اعتماد كلي على الغير، وتشفع به، وتسلق عليه؛ أم اعتماد أساسي على الذات، وثقة أولى بالنفس، ثم بعد ذلك توسع الفعل وامتداده نحو الآخرين؟
وتنقسم الشفاعة أربعة أركان: المشفوع إليه وهو الله، الشفيع وهو الرسول، المشفوع له وهو المؤمن، المشفوع فيه وهو الكبيرة. وتتضمن الشفاعة علو رتبة المشفوع إليه والشفيع عن المشفوع له، وهذا أيضا في طلب الحاجة؛ لذلك كانت فائدة الشفاعة رفع مرتبة الشفيع، والدلالة على منزلة المشفوع إليه، والمشفوع إليه يكرم الشفيع.
15
ولما كان المشفوع إليه هو الله، فإنه يدخل في العقليات في أصل التوحيد. بقي إذن المشفوع فيه وهو الكبيرة، والمشفوع له وهو المؤمن، والشفيع وهو الرسول.
فالمشفوع فيه هو الكبيرة؛ فالشفاعة أحد حلول قضية التخليد والدوام في النار لصاحب الكبيرة؛ إذ إنه يكون في النار استحقاقا، ثم يخرج منها بشفاعة الرسول.
16
ولما كانت الكبيرة عصيانا وفسقا وفجورا، فالشفاعة تكون أيضا للعصاة وللفساق وللفجار، ولكن لماذا الشفاعة لأهل الكبائر وهناك التوبة؟ وهل تجب الشفاعة التوبة؟ وإذا كانت الشفاعة قادرة على إخراج مرتكب الكبيرة من النار وقطع العقاب، فإن التوبة قادرة على عدم إدخاله النار أصلا. وقد تكون الشفاعة لأهل الأعراف الذين تساوت حسناتهم مع سيئاتهم ويمرون أمام النار، فإذا رجحت حسناتهم سيئاتهم فإنهم يدخلون النار ولا يخرجون إلا بشفاعة الرسول ورحمة الله. فالشفاعة هنا تدخل في الموازنة، وتبطل الإحباط والتكفير، وتكون حاملا مرجحا في حالة الاستواء بين الطرفين. وهي حالة افتراضية أساسا؛ نظرا للطبيعة الخيرة كعامل مرجح فيها. ولماذا تتقدم الشفاعة على رحمة الله أو تساويها وتعادلها؟ أليست رحمة الله كافية كعامل مرجح دون شفاعة؟