17
وقد تكون الشفاعة للكفار لتعجيل فصل القضاء، وتخفيف أهوال يوم القيامة!
18
لذلك كان مكانها يوم الإراحة من الوقف. فهل الله بطيء في العقاب، متباطئ في الحساب، فرح بإطالة الانتظار له ليزيد عذابا نفسيا حاضرا على العذاب البدني المتوقع؟ ولماذا يخفف الله عنهم الأهوال إذا كانت جزءا من العذاب؟ ولماذا يستعجل الرسول، والعجلة في القضاء ضد العدل، كما أن العجلة من الشيطان؟ وقد تكون الشفاعة في الجن والإنس! وماذا فعل الجن؟ هل له رسل وتكليف؟ وهل قبل الأمانة طوعا واختيارا كما قبلها الإنسان؟
19
فإذا كانت الكبيرة أساسا هو المشفوع فيه، فمن المشفوع له؛ المؤمن أم الموحد أم التائب؟ ولماذا الشفاعة؟ هل لرفع الدرجات في الجنة، أو لعدم دخول النار، أو لدخول الجنة بغير حساب؟ هل هي لهذه الأمة أم لكل الأمم بلا استثناء؟ قد تكون الشفاعة لمن استحق دخول النار كي لا يدخلها، وهذا في الحقيقة قضاء على الاستحقاق وعلى دوامه، وقول بانقطاع العذاب أو بعدم وقوعه دون شرط التوبة. وماذا يكون رد فعل من دخل النار عن استحقاق؟ أليس ذلك عدم مساواة في العقاب؟ أليس ذلك إثارة ضغائن في الجنة وثورة في النار لمن لم ينالوا الشفاعة؟ وماذا يكون رد فعل أهل الجنة الذين عملوا الحسنات، ودخلوا الجنة بعد دخول النار، وغيرهم لم يدخل النار شفاعة؟ وأين يذهبون إن لم يدخلوا النار؟ هل يدخلون الجنة أم يبقون في الأعراف؟ وقد تكون الشفاعة لإخراج الموحدين من النار، لمن له ذرة إيمان في قلبه. وهذا أيضا تفضيل للنظر على العمل، مع أن الاستحقاق يقوم على العمل، وليس على النظر، وهو أيضا ظلم الكفار الذين لهم أعمال صالحة. وهو مناقض لقانون الموازنة، الإحباط والتكفير، كما أنه ضد التوبة، وإلغاء لوظيفتها، وقضاء على الهدف منها. وإذا كانت الشفاعة تخفيفا عن بعض الكفار في أوقات مخصوصة، فهذا تخصيص بلا استحقاق، واستثناء دون حق، وتحيز ومجاملة تناقض العدل.
20
وإذا كانت الشفاعة لأطفال المشركين، فهل الأطفال عقلاء بالغون أحرار حتى يكونوا مكلفين؟ وإذا كانت الشفاعة للمؤمنين المطيعين، فإن في توبتهم كفاية لانقطاع العقاب ودوام الثواب.
21
وإذا كانت الشفاعة لصلحاء الأمة ليتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات، فإن الأعمال العظيمة تجب المعاصي، والتضحية بالعمر وبالنفس تجب اللمم. أما إذا كان المقصود من الشفاعة رفع الدرجات، وبلوغ مراتب أعلى في الجنان، فإن ذلك طمع، ورغبة في المزيد أسوة بما كان يحدث في الدنيا من زيادة غنى الغني، ورفاهية المترف، ويسر الموسر، بمزيد من الطاعات والعبادات. فالدرجات العليا في الدنيا لا بد وأن يقابلها رفيع الدرجات في الآخرة؛ حتى تستمر مزايا الدنيا بدعوى دوام الثواب! كما يؤدي ذلك إلى إثارة الأحقاد والضغائن والمنافسة في الجنة عند من لم تنلهم الشفاعة. وهل في الجنة رغبات وأطماع وهي دار السلام والصفاء؟
22
وتتم الشفاعة لدفع العذاب ولرفع الدرجات ضد قانون الاستحقاق. لا يرفع العذاب إلا بالموازنة أو التوبة؛ لأن الشفاعة دونهما، إعطاء نفع لمن لا يستحق. والدعاء لا يرفع العذاب؛ فالدعاء قول والتوبة عمل، وما أكثر القول وأقل العمل! ولماذا تتم الشفاعة لعدد معين 70000 كل واحد منهم يشفع في 70000 ألفا مثلهم؟
23
فيكون مجموع المشفع لهم 4900000000؛ أي أقل من خمسة مليارات بقليل، وهم أقل من عدد سكان الأرض حاليا بمليار واحد! ولماذا هذا العدد بالذات؟ هل عدد رمزي به الرقم 7، وبه الأصفار والآلاف زيادة في التعظيم والمبالغة؟ أليس هذا العدد أكثر من مسلمي الأرض؛ وبالتالي يتطلب ذلك الشفاعة لغيرهم؟ وهل الرسول على علم مسبق بأفعال العباد المستقبلة، أم هو قانون عام للتاريخ يمكن التنبؤ به؟ وإذا كانت الشفاعة لأهل الجنة من هذه الأمة، فهم ليسوا بحاجة إليها ما داموا في الجنة. وإذا كانت للناس جميعا بصرف النظر عن الأمة تصبح عامة للكل؛ وبالتالي تفقد خصوصيتها للبعض، وفي عموميتها يكون إثباتها مساويا لنفيها.