تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

وقد تتحول الولاية والعداوة من مجرد فعلين لله تعبيرا عن الإرادة والعلم إلى صفتين له في ذاته؛ فالحق الإنساني مؤيد بالولاية الإلهية، والباطل الإنساني مهدد بالعداوة الإلهية. الولاية أخذ الإنسان لله في صفه، والعداوة أخذ الإنسان لله ضد أعدائه. وماذا لو فعل العدو ذلك أيضا، وجعل الولاية من جانبه، والعداوة ضد عدوه؟ يكون الإنسان في كلتا الحالتين قد أخذ المؤله من جانبه ضد أعدائه، سواء كان هو نفسه أم خصمه؛ وبالتالي يتحول الله كسلاح في معارك الخصوم. وأن إثبات الولاية والعداوة كصفات ذات أو حتى كصفات فعل يؤدي إلى القضاء على الحرية الإنسانية؛ إذ تحدد الصفات مصائر الناس فيما يتعلق بأفعال الشعور.

5

وفي جماعة مضطهدة أخرى ولكن سرية تتحول الولاية والعداوة أيضا إلى سلاح لتقوية الجماعة؛ فالولاية للإمام والعداوة لأعدائه؛ فالولاية للذات والعداوة للغير؛ وبالتالي يتحول الله إلى سلاح لتقوية الفرد ضد الخصوم. ولما كثر المتخاصمون أصبح الله سلاحا ضد الكل يضرب في كل اتجاه.

6

إن الولاية والعداوة على هذا النحو ضد الشرع والعقل معا؛ فكثيرا ما يتغير حكم الشرع طبقا لأفعال الناس وانتقالهم من الإيمان إلى الكفر، أو من الكفر إلى الإيمان، كما أن الرضا والسخط من الله تابعان لأفعال الإنسان ومتغيران بتغيرها. ولا ينال ذلك من شمول العلم الإلهي؛ لأن تغير الأحكام الشرعية طبقا للأفعال موجود في العلم الإلهي، فهو علم ثابت بالتغير.

7

إن الولاية والعداوة ممكنان بعد حال الإيمان والكفر، وبعد أفعال الحسن والقبح، كنتيجة وليس كمقدمة، كنهاية وليس كبداية. وإن كل وضع للولاية والعداوة في البداية لهو إنكار لقيمة الفعل ولقانون الاستحقاق؛ تبريرا لأفعال الحاكم اللامشروطة، والذي يرعاه الله بولايته، ويحفظه بالعداوة لأعدائه.

8 (2) البشارة

كما أن الموافاة لا تحدث في الدنيا قبل الأفعال وإلا كانت قضاء على الحرية، ولا في الآخرة وإلا كانت خرقا للاستحقاق، فكذلك البشارة؛ فالبشارة حكم مسبق على الأفعال قبل اكتمالها، وقبل انقضاء العمر، وقبل نهاية الزمان؛ هي تثبيت للحكم بالرغم من سريان الفعل. والحقيقة أن الأحكام تالية للأفعال، وليست سابقة عليها. وإذا كانت البشارة نوعا من إثبات التخصيص والاستثناء، فكيف يمكن إثباتها وفي الوقت نفسه رفض التخصيص في الوعيد؟

9

الفرق بينهما في الإغراء؛ فالتخصيص في الوعيد إغراء على فعل القبائح، لكن البشارة ليست كذلك، ولا أيضا إغراء على فعل الحسنات؛ لأن المبشرين معلومون بأسمائهم وصفاتهم في بدايتهم، وإن كانوا في النهاية يصلون إلى عامة الناس. يبدءون بالعشرة، ثم يصبحون أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية، ثم سبعين ألفا من الأمة يتسع كل منهم في سبعين آلفا آخرين، وفيهم أشخاص بعينهم إن لم يكن واحدا بعينه، وكأنه يساويهم كلهم! وربما يتسع الأمر، فيبلغ كل من بلغته دعوة الإسلام؛ وبالتالي تذهب الأمة كلها إلى الجنة، بشرى للجميع، ويضيع الاستحقاق. وبعد أن يعين الرسول ضمن العشرة الأوائل وهو الذي بشر بهم، قد يدخل في ذلك أيضا آل البيت نساء ورجالا، ممن ظلموا قهرا وعنوة، وممن استشهدوا مقاومة للظلم ودفاعا عن الحق؛ وقد يدخل في ذلك زوجات الرسول، بالرغم من نقد الوحي لهن، واشتراك إحداهن في الحرب وسفك الدماء، خاصة وأن الفريق المختار لم يكن هو أصوب الفرقاء. وماذا لو كان في العشرة المبشرين بالجنة أغنياء القوم في مجتمع أغلبيته من الفقراء؟ وماذا لو كان فيهم من اعتزل الفتنة حتى لا يزاد من سفك الدماء، لا نصرة للظالم، ولا دفاعا عن المظلوم؟ وهل يمكن تعيين المبشرين بالجنة بالاسم، سواء كانوا عشرة، أم ثلاثمائة، أم سبعين ألفا؟ وماذا لو تغير فعلهم بعد البشرى؟ هل تظل البشارة حكما؟ أليس في ذلك أيضا حكر على الإرادة الإلهية؟ ألا يعطي ذلك نوعا من الرخصة في فعل أي شيء حلالا كان أم حراما ما دام الحكم قد صدر؟ ربما يكون الهدف من ذلك هو الإعلاء من شأن الأعمال العظيمة، مثل الشهادة والتضحية بالنفس والوجود في الطلائع والتصدي للمخاطر ونصرة الحق والمحافظة على وحدة الجماعة. ومع ذلك فهي كلها أفعال استحقاق، وليست أفعالا ضد الاستحقاق، بل إن الأنبياء أنفسهم أيضا يخضعون لقانون الاستحقاق، إنما يدخلون الجنة بأفعالهم. وفي النهاية لا يمكن للرواية بنفسها أن تستقل في تأصيل النظر؛ فالمبشرون بالجنة رواية تصطدم بقانون الاستحقاق دواما وشمولا، وطبقا لنظرية العلم الرواية ظن والعقل يقين.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٠٩