41
| رابعا: شمول الاستحقاق
كما أن الاستحقاق ثابت ودائم، فهو أيضا شامل لا يفرق بين مكلف ومكلف، ويظل العمل وحده هو مقياس الاستحقاق دون موافاة الله لأحد؛ أي دون موالاة للبعض أو عداوة للبعض الآخر. فالموافاة تحيز لو كانت قبل الفعل، وهي لا تتجاوز كونها استحقاقا بعد الفعل، والبشارة هي استباق للحوادث، وحكم مسبق بالاستحقاق ثوابا لبعض الأفراد دون البعض الآخر، والاستحقاق عام وليس خاصا. أما الشفاعة فإنها نقص للاستحقاق، وانقطاع للعقاب للعاصين دون المؤمنين؛ فشمول الاستحقاق إذن موجه ضد الموافاة، ولاية وعداوة، وضد البشارة وضد الشفاعة. (1) الموافاة (الولاية والعداوة)
لما كان الاستحقاق أساسا أخرويا محضا، فإنه لا يمكن أن تحدث موافاة فيه بعد أن تتم الأعمال، وينقضي العمر، وينتهي التكليف؛ فالثواب والعقاب لا يكونان استحقاقا إلا في الآخرة؛ فإذا ما حدث توفيق أو خذلان في الدنيا، أي ولاية وعداوة من الله، فإن ذلك يكون تدخلا في حرية أفعال الشعور الداخلية قاضيا عليها؛ وبالتالي نرجع إلى أصل العدل من جديد. والفعل الحسن يولد طاقاته من ذاته، ويصبح أكثر قدرة على التحقيق، في حين أن الفعل القبيح يفرغ الطاقات، ويقضي على الذات، ويؤدي إلى الخذلان؛ لذلك قد يدخل موضوع الموافاة، أي الولاية والعداوة، في حرية الأفعال مع أفعال الشعور الداخلية.
1
الموافاة في الدنيا ولاية أو عداوة، سواء قبل الفعل أو مع الفعل أو بعد الفعل، ليست فقط تدخلا في حرية الأفعال، بل هي أيضا قضاء على التوبة، وسلب الإنسان قدرته على الفعل المتجدد. وسواء كان هذا التدخل بالعلم أو بالقدرة، فإنه في كلتا الحالتين قضاء على شمول الاستحقاق بتخصيص وقتي؛ الإيمان والكفر، وهما لحظتان متجددتان طبقا لاستمرار التكليف. وإن التبرئة المسبقة أو الإدانة المسبقة لقضاء على الاستحقاق كنتيجة لم تتحقق بعد، وكمسار للفعل لم تتحدد وجهته بعد؛ نظرا لحرية الأفعال. وإن الولاية من الله للبعض والعداوة للبعض الآخر لقضاء على شمول الله؛ وبالتالي على شمول الاستحقاق، كما أن الرضا من الله على البعض بصرف النظر عن كفرهم مثل سحرة فرعون، وسخطه على البعض الآخر بصرف النظر عن إيمانهم مثل المنافقين، لهو اهتزاز لكل شيء للاستحقاق على الفعل، ولكن الفعل وحده مناط الاستحقاق. إن رضا الله عن المؤمنين مهما عصوا، وسخطه على الكافرين مهما أطاعوا، لهو نقض أساسا لقانون الاستحقاق، وتصور الثبات في الله مهما تغيرت الأفعال، بل إن هذا الثبات يدل على محاباة وتحيز؛ محاباة المؤمنين لإيمانهم به بصرف النظر عن العصيان، والتحيز ضد الكافرين لعدم إيمانهم به مهما كانت طاعاتهم، وكأن الله لا يراعي إلا ذاته؛ الإيمان به من دونه بصرف النظر عن أفعال الخير أو الشر للعباد.
2
وقد يقال بالموافاة نظرا لعلم الله الشامل الذي يعلم المآل، فيرى الحال من خلال المآل، ويرى الحاضر والماضي من خلال المستقبل. وفي هذه الحال يرد أصل العدل إلى أصل التوحيد، ويضحى بالفعل الإنساني من أجل العلم الإلهي، ولا فرق في ذلك بين الإرادة عند الأشاعرة والعلم عند المعتزلة.
3
وقد ينشأ القول بالموافاة، ليس من تغليب الإرادة والعلم الإلهيين على الفعل الإنساني في فرقة السلطة، ولكن من الظروف النفسية لفرق المعارضة؛ فالموافاة تعطي المعارضة العلنية الجهرية تأييدا لها من الله ضد السلطة، تقوية للمقاومة، وتبريرا نظريا لها من العقيدة. وسرعان ما يوجد المبرر في العلم المطلق والإرادة الشاملة، وكأن أفعال المقاومة وقراراتها مصير محتوم مقدر من قبل، بل إن أفعال الشعور نفسها من اعتقاد وإيمان قدر مسبق يأخذ الله فيه بيد الإنسان، يدبر أمره، وينسج له مصيره، ويقوده إلى غايته مهما كانت أفعال الإنسان. فالموافاة إذن هي هذا الجبر الفعال الذي يوجه أفعال الإنسان إلى غايتها، ينصر بها المظلومين وهم أولياء الله على الظالمين وهم أعداء الله.