25
وهو ما يحدث أيضا في خطب المساجد من الدعوة إلى السلطان، وتأييد للنظام، ومدح للحكام، وهو ما يكثر في عصور الانحطاط كأحد مظاهره أو أسبابه، فالإمام يخشى السلطان فيمدحه، والسلطان يخشى الإمام فيوظفه في رعيته ويجعله تابعا له فقيها للسلطان، وبمدح الإمام تثبت شرعية السلطان في قلوب الناس والجهال، ولو أن الإمام فضح السلطان لما بقي السلطان، وشرعية الإمام في قلوب الناس أرسخ وأعمق من شرعية السلطان.
26
فإذا ما تغيرت السلطة بانقلاب أو بوفاة، انصب نفس المدح للسلطان القديم على السلطان الجديد الذي يعطي نفس الصفات، وتكون له نفس المحامد والآثار، وتوجه إليه نفس الدعوات والابتهالات، فمدح السلطان لا يقوم على خصائص موضوعية في السلطان، بل هو اتجاه نحو السلطة بالتملق والزلفى والنفاق، حتى ولو كان السلطان حيوانا! ولقد نشأ بيننا كتاب لهم هذه الوظيفة في مدح القائد الملهم، والزعيم الشجاع، وابن الشعب البار، والمجاهد الأعظم، والرئيس الأفخم، وصاحب القرار، وإذا استنفدت السلطة أحدهم أو ضاقت به أو خدمها بغباء، أو استعمل ذكاءه لحسابه الخاص أتى الآخر، ثم تطول قائمة الانتظار، يود الكل اللحاق بوظيفة مداح السلطان.
27
وقد يكون الدعاء لرئيس المصلحة، السلطان الأصغر، الذي بيده الخبز والعيش، الرئيس المباشر الذي بيده الترقية والدرجة، والتقرير والتوصية، والذي يراه الكاتب وجها لوجه؛ فالسؤال هنا مباشرة من شخص إلى شخص وليس إلى ذات مجردة أو لسلطان بعيد قد يسمع وقد لا يسمع، السؤال هنا لشخص حي، يصعد الدرج ويهرول، ويهبط تحفه البركات، ويصعد تنهال عليه الدعوات.
28
أما الإهداء فإنه يكون أيضا للحضرة العلية حتى يذكر اسم السلطان في فاتحة الكتاب بعد فاتحة القرآن أو قبلها، فكل الآراء تتوجه إلى السلطان كما أنها بدرت منه، وخرجت بتوجيهاته.
29
أما نحن فإهداؤنا «إلى علماء أصول الدين، تحقيقا لمسئولية جيلنا»، تكاتفا مع العلماء، وإبداء للنصح، وتحملا للمسئولية عن هذا العلم وأثره في الحياة العملية وعلى سلوك الجماهير وعلاقتها بالسلطة، فإذا كان هذا هو المحتوى الرئيسي للمقدمات الإيمانية التقليدية التي تدعو إلى الله وإلى السلطان معا، وتسبح بحمدهما معا خاصة في العقائد المتأخرة، عصر الشروح والملخصات، عصر الانحطاط وتلقي البركات، فإن عصرنا الحالي عصر إصلاح ونهضة، وجيلنا الحالي جيل تغيير وثورة، وكتابه لا يتملقون السلطان الإلهي أو السلطان السياسي، بل يدافعون عن مصالح الشعوب ضد جميع السلاطين، هذه هي مسئولية «من العقيدة إلى الثورة» ومقدمته الأولى.
وإذا كانت بعض المقدمات الإيمانية القديمة تبدأ فقط ب «اسم الله الرحمن الرحيم»، فإننا نبدأ «باسم الأمة»، فالله والأمة واجهتان لشيء واحد بنص القرآن.
30
فإذا كان الله قد تم الدفاع عنه عند القدماء وانتصروا في قضيتهم إثباتا للتنزيه، فإننا ندافع عن الأمة التي اعتراها التفتت، وأنهكها الضياع، وتوالت عليها الهزائم، وانتابها العجز، وعمها القعود، وإذا كان القدماء في دفاعهم عن التوحيد قد فتحوا البلدان، وغزوا في سبيل الله، وحرروا الوجدان البشري إعلاء لكلمة الله، فانتصروا في الفكر والشريعة، وحققوا النظر في العمل، فإننا اليوم ندعو الأمة إلى الجهاد وإلى تحرير البلدان، واستعادة الأراضي المغتصبة، وذلك عن طريق تفجير التوحيد لطاقات المسلمين، وعودتهم إلى الأرض، فإذا دافع القدماء عن الله نظرا لأنه كان مظان الخطر والهجوم، فإننا ندافع اليوم عن الأرض فهي المستهدفة، رقعة وثروة؛ فالله بنص القرآن إله السموات والأرض،
رب السماوات والأرض ،
وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله . فالتوحيد فتح وجهاد، تلك «الفريضة الغائبة»، وهذا الأصل من أصول الإسلام بل وعقيدته الأولى باسم التوحيد، لقد استبيحت حرمات المسلمين، واحتلت أراضيهم، ونهبت ثرواتهم، وانتهكت أعراضهم، وقتلت نساؤهم وأطفالهم، وذبح أبناؤهم، فإذا كان القدماء قد بدءوا مقدماتهم الإيمانية التقليدية «باسم الله»