وأحيانا تختلط المقدمات الإيمانية التقليدية بين الحمد لله والثناء عليه، وبين الدعوة للسلطة والتزلف إليها، فالحديث عن السلطان واحد، السلطان الديني أم السلطان السياسي، السلطان الإلهي أم السلطان البشري أو باختصار الله والسلطان، الأول يمثل السلطة الدينية في قمة الكون والثاني السلطة السياسية على رأس الدولة، وكلاهما يتم الكلام عنه بلغة الجبروت والعظمة، حتى إنه ليصعب الفصل بين السلطانين أو بين السلطتين أو بين الإلهين، إله السماء وإله الأرض، إله الدين وإله السياسة، وقد يكون ذكر اسم الله المطلق وأنه المسيطر على كل شيء تعبيرا عن وضع اجتماعي يتحد فيه الله بالسلطة، فلا فرق بين الثناء على الله والثناء على السلطان، كلاهما يصدران عن بناء نفسي واحد، وكل منهما يغذي الآخر ويدعمه، فالثناء على الله تدعيم للثناء على السلطان، والثناء على السلطان نابع من الثناء على الله،
20
وكلاهما قضاء على الذاتية، ذاتية الأفراد وذاتية الشعوب.
فإذا كان هذا هو حال السلطان، فإنه لا يختلف كثيرا في صفاته عن حال الله، كلاهما منعم، واهب، عادل، عالم، قادر ... إلخ، وتملق السلطان ومنافقته لا يختلف كثيرا عن مواقف الزلفى والنفاق لله ، بل إن الموقفين موقف نفسي واحد، مرة يتجه نحو الله ومرة أخرى نحو السلطان.
21
فإذا أتى الشارح فإنه يقوم بنفس الدعاء لله وللسلطان الجديد، فالله قائم والسلاطين تترى.
22
وما الفرق بين أسماء الله الحسنى وألقاب السلطان؟ بل إنه في كثير من الأحيان يوصف السلطان بصفات الله! في العقائد المتقدمة تقل المدائح لله فتختفي المدائح للسلطان في حين أنه في العقائد المتأخرة تكثر المدائح لله فتظهر المدائح للسلطان، وكأنه إذا ظهر العقل خف المديح، وإذا عم الإيمان كثر المديح!
وفي عصرنا الحالي، بدلا من الثناء على السلطة، والدعاء للممسكين بها، والقائمين عليها، والقيمين على الناس، مستنصرين لهم، ومؤيدين لخطاهم، فإننا نبين تواطؤ السلطة الدينية والسلطة السياسية، وكيف أن كلا منهما تعيش على الأخرى، وفي كلتا الحالتين، الجماهير هي الخاسرة، والشعوب هي الضائعة، حرية ورزقا، إن مدح خصال السلطان النظرية والعملية تقرب وتملق، مداهنة وتزلف، وصولية وانتهازية، نفاق وكذب وخداع، وهذا ليس دور الجماهير ولا مهمة طلائعها؛ فدورها الرقابة، ومهمتهم النقد، وليس في كليهما مدح أو تعظيم، علاقة الرعية بالسلطان في عالمنا المعاصر وبأوضاعه الحالية التي ينكشف بناؤها من خلال وجداننا القومي، وإحساساتنا الدفينة ليست علاقة طاعة وقبول بل علاقة ثورة ورفض، فكثيرا ما أدت طاعة السلطان إلى الضياع والتخلف والاحتلال، والخروج على السلطان والثورة ضده كان فيه إجبار له على العدل والشورى، والرقابة عليه.
23
والسلطان لا يهدي ولا يضل، ولا ينفع ولا يضر، لا تتبع الأفلاك هواه، ولا تتحرى الأقدار رضاه فتلك صفات الله وحده.
24
هو سلطة تنفيذية خالصة، والسلطتان التشريعية والقضائية للفكر الذي وعد السلطان بتنفيذه، وعلى أساس التزامه به تمت البيعة له والعقد عليه، واختياره من بين المسلمين؛ فالفكر هو مصدر السلطات، والسلطة الحقيقية الفعلية هما السلطتان التشريعية والقضائية، والسلطان ما هو إلا منفذ للأولى، مطيع للثانية، السلطان ليس ملكا، ولا صاحبا، ولا آمرا ولا ناهيا، ولا خالقا، ولا قادرا، بل هو منفذ لقانون الفكر، ومطيع لقضائه، ومستمع للمشورة، وقابل للنصح. ليس السلطان باستمرار مصدر الخير والصلاح، بل كثيرا ما يكون مصدرا للفساد والطلاح لنفسه ولشعبه، السلطة في غياب الرقابة الشعبية تفسد، وتعمل لمصلحة القائمين بها، تغنم وتثرى، تتجبر وتنفرد بها، ثم نجد من يعاونها في ذلك؛ تحقيقا لنفس الأغراض، الثراء والسلطة، المنصب والجاه، ثم تضع في الشعوب كل القيم التي تساعدها على تحقيق مآربها مثل الحرمان الجنسي بدعوى الفضيلة والتقوى ثم الإثارة الجنسية بدعوى المدنية وإدخال السرور على النفس حتى يتحول الشعب كله إلى فئتين؛ مثير جنسيا ومثار جنسيا، أو تلهي السلطة الشعب بقوته اليومي، حتى يظل الشعب لاهثا وراءه، تاركا السياسة، وغافلا عن السلطة، تاركا لها مجال السياسة العليا في الحرب والسلام، في الغنى والفقر، في الحرية والقهر، وفي الوحدة والتجزئة، أو تلوح بالمناصب حتى يتهافت عليها الناس، ويتسابق نحوها وزراء الغد، فتعطى لمن لا يستحق حتى يظل عبدا لها، حريصا عليها، يستمد منها قيمته كل من لا قيمة له، إن أزمة السلطة في عالمنا المعاصر أنها لم تأت عن طريق الشورى والبيعة، ولكنها أتت قفزا عليها، واستمرت بقوانين القهر وبحكم العسكر وبسيطرة أجهزة الأمن بعد أن أخذت شرعيتها أولا من الإنجازات الثورية أو الحركات الوطنية التي أدت إلى الاستقلال لا من البيعة والاختيار الحر، أخذت الشرعية من العمل ثم من القوة لا من النظر ثم البيعة، والثورية حتى في أحسن صورها واستمراريتها لا تكفي دون البيعة لتحقيق ذاتها ولاستمرارها ولالتفاف الجماهير حولها، وغالبا ما تنقلب الثورية ضد الشعب، أصل البيعة، ومصدر الشورى. قد تكون السلطة مصدرا للجهل لا للعلم، وقد يكون في مصلحتها نشر الأمية وليس محوها، والقضاء على الثقافة وليس تنميتها، فالسلطة تتأكد في شعب جاهل، وتقوى في جماعة مطيعة، فالجهل طاعة والعلم ثورة، وقد يكون المدح للدولة، لفكرها وعقيدتها، لحزبها ونظامها كما يحدث في عالمنا المعاصر من الدعوة للنظم السياسية وللثورات الوطنية، يكون التاريخ قبلها خواء وظلاما، ثم يحدث الملاء ويعم العدل في ظل النظام السائد، وبعد الثورات المباركة، وهو ما عاصرناه في جيلنا من جب لما قبل تاريخ ثوراتنا المعاصرة، وشجب لكل ماضينا ثم الازدهار المفاجئ والنهضة الشاملة في ظل النظام القائم وبعد الثورة، فنولد من جديد، ونحيا بعد عدم، ونملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، وتوجهنا عقائد الشيعة ونحن أهل سنة!