31
فإننا نبدأها باسم الأرض المحتلة في مواجهة الاحتلال الأجنبي لأراضي المسلمين، وباسم حريات المسلمين في مواجهة صنوف القهر والطغيان، وباسم النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وباسم المساواة والعدالة الاجتماعية في مواجهة تجميع الثروات وتكديس الأموال لدى الأقلية المترفة أمام جماهير الأمة التي تموت جوعا وقحطا، بؤسا وعريا، وباسم الوحدة، وحدة الأمة بنص القرآن مرآة لوحدة الله في مواجهة التجزئة والتشرذم والتشتت والتبعثر بين ملوك الطوائف، وباسم التقدم في مواجهة التخلف، وباسم النهضة في مواجهة الانحطاط، وباسم الهوية ضد التغريب، باسم جماهير الأمة، وباسم الأغلبية الصامتة، وباسم عامة المسلمين يصدر «من العقيدة إلى الثورة» بناء على «العقل المصلحي» يجمع بين «علم أصول الدين» وبين «علم أصول الفقه» ليعيد وحدة «علم الأصول» بشقيه.
وفي مرحلة ثانية،
32
انتقلت المقدمات الإيمانية من مجرد التعبير عن عواطف الإيمان إلى التركيز على «التأصيل العقلي» للعلم خاصة، وأن علم التوحيد هو الذي يعطي التصورات ويقدم المسببات والأسباب.
33
ونستمر أيضا في التأصيل العقلي دون وقوع في أخطاء التجريد أو التشبيه.
34
ولكننا نزيد على «التأصيل العقلي» عند المتأخرين «التأصيل الواقعي» عند المعاصرين أسوة بالمصلحين المحدثين حتى يرتبط التوحيد من جديد بالعمل، والله بالأرض، والذات الإلهية بالذاتية الإنسانية، والصفات الإلهية بالقيم الإنسانية، والإرادة الإلهية بالحرية الإنسانية، والمشيئة الإلهية بحركة التاريخ، وإذا كان الدافع عند القدماء هو العلم، فقد كانوا منتصرين في الأرض فاتحين للبلدان، وارثين الإمبراطوريتين القديمتين، الفرس والروم، فإن الدافع لدينا هو العمل، فنحن مهزومون، محتلون، تتداعى علينا الأمم كما تتداعي الأكلة على قصعتها، تريد الدولتان العظميان اليوم، في الشرق والغرب، وراثتنا ماضيا وحاضرا ومستقبلا. ليس المهم لدينا هو فهم العالم كما كان عند القدماء بل تغييره وتطويره والسيطرة عليه، لقد عبرت المقدمات التقليدية الأولى عن واقع العلم والمناقشات النظرية في عصر كان الواقع الفعلي مستورا: البلاد مفتوحة، والجنود منتصرة، والدول قائمة مستقلة، وكان الخطر يتهدد العقائد النظرية الجديدة؛ أي التوحيد، ولقد تغير الوضع الآن فأصبح الخطر على الأرض بعد أن احتلت البلاد، واستعمرت الأوطان، واثاقل الناس إلى الأرض، وقعدوا عن الجهاد في حين أن التوحيد النظري قائم، وصفات الله ظاهرة، وهو واحد حي قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، يهدف التأصيل الواقعي إذن إلى إعادة بناء «علم أصول الدين» بحيث تتحول العقيدة إلى ثورة للدفاع عن البلاد، وإطلاق التوحيد من عقاله، وإيقاظه من سباته، وتحويله إلى فاعلية في الأرض، وحركة في التاريخ.
35
وإذا كانت المقدمات التقليدية بلا استثناء قد جعلت هدفها الدفاع عن العقيدة، فقد كان الدفاع في معظم الأحوال دفاعا عن عقائد فرقة معينة هي فرقة أهل السنة ضد أهل البدعة، ولكننا لا ندافع عن عقائد فرقة بعينها، بل نعيد تأصيل التوحيد كما ورثناه من القدماء وبعد عرضه على ظروف العصر دفاعا عن مصالح الأمة. ليس الغرض من التأصيل العقلي المصلحي هو الهجوم على «الملحدين»، والدفاع عن عقائد الدين، بل إيجاد البراهين على الصدق الداخلي للعقائد عن طريق التحليل العقلي للخبرات الشعورية الفردية والجماعية، وبيان طرق تحقيقها من أجل إثبات الصدق الخارجي لها وإمكانية تطبيقها في العالم،
36
فإذا كان هدف القدماء إثبات عقائد «الفرقة الناجية» ضد «الفرق الضالة»، فإن هدفنا هو الدفاع عن اجتهادات الأمة كلها، ووضع العقائد كلها على قدم المساواة ومعرفة كيف نشأت في ظروف العصر القديمة وكيف يمكن أن تحيا في ظروف العصر الجديدة، إذا كان هدف القدماء هو بيان «الفرق بين الفرق» فإن هدفنا هو «الجمع بين الفرق» في وقت الأمة فيه أحوج ما تكون إلى الوحدة الوطنية، إذا كان هدف القدماء بيان «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين»، فإن هدفنا هو بيان «مقال المسلمين واتفاق المصلين»، إذا كان هدف القدماء عرض «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين»، فإن هدفنا هو الكشف عن عقيدة الأمة وكيفية استعمالها من كافة قواها الاجتماعية والسياسية ولصالح من يتم تأويلها وفهمها واستخدامها.