تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

فإذا كانت هذه القسمة الأولى للأعراض باعتبارها صفات من أجل تعريف العرض، فإن قسمة الأعراض من أجل تصنيفها هي التي تكشف عنها؛ فالأعراض عند الحكماء تنحصر في المقولات التسع اعتمادا على الاستقراء؛ فالعرض إما يقبل لذاته القسمة وهو الكم، ويدخل فيه المتصل والمنفصل، أو يقتضي النسبة لذاته وهي النسبة؛ أي يكون مفهوما ومعقولا بالنسبة إلى الغير. والثاني ما لا يقبل القسمة وهو الكيف الذي لا يقبل القسمة ولا النسبة. وتشمل النسبة سبعة أعراض: الأين، والمتى، والوضع، والملك، والإضافة، وأن يفعل، وأن ينفعل؛ فالأعراض التسعة هي الكم والكيف، ثم تشمل النسبة باقي الأعراض السبعة. ثم انفصلت الإضافة من النسبة وكونت قسما مستقلا، وبالتالي أصبحت الأعراض أربعا: الكم والكيف والنسبة والإضافة.

6

وهنا تبدو المقولات التسع تفريعات أكثر مما تتحمل ضرورة العقل التي ترضى أولا بالقسمة الثلاثية نسبة وقسمة وسواهما بعد القسمة الثنائية للممكن في الموضوع وهو العرض والممكن في اللاموضوع وهو الجوهر. وهنا يتم احتواء المقولات الطبيعية في الممكن ما دامت لا تعارض العقل، خاصة وأنه لا يشار إلى مصادر تاريخية لها في حضارات أخرى قديمة أم مجاورة.

7

ليست الأعراض أجناسا لما تحتها، أو أنواعا لما فوقها؛ فليس الأمر هنا يتعلق بمنطق الدوائر المتداخلة والاستغراق، بل صفات الأشياء على مستوى واحد في الطبيعة. ويدخل في تقسيم الإدراك داخل الكيفيات النفسانية قسمته إلى ظاهر وباطن؛ والباطن إلى تصور وتصديق؛ والتصديق إلى جازم وغير جازم إلى آخر ما ورد من قبل في نظرية العلم، مما يدل على أن الفصل بين نظرية العلم ونظرية الوجود، بين الذات والموضوع لا وجود له.

أما عند المتكلمين، فتنقسم الأعراض إلى نوعين: الأول ما يختص بالحي وهي الحياة وما يتبعها من الإدراكات وغيرها كالعلم والقدرة. والثاني ما لا يختص بالحياة كالأكوان والمحسوسات؛ أي الظواهر الطبيعية الصامتة. وفي حقيقة الأمر إن كلا القسمين ينتميان إلى الظواهر الحية مع اختلاف في الدرجة لا في النوع؛ فالمحسوسات موضوعات للحواس، والحواس أحد مظاهر الحياة النفسية والبدنية، والأكوان لا تعرف أيضا إلا من خلال الحواس، والحواس مظاهر حية للإنسان. الظواهر الحية إذن هي أول ما يعرفه الإنسان من العالم، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة تظهر الحياة للإنسان في العالم قبل أن يظهر له أي شيء أو طرف آخر مثل «الله». ويظهر الإنسان ككائن حي، ويظهر العالم كموضوع مدرك للكائن الحي؛ وبتعبير آخر تظهر الحياة كذات وكموضوع. وظواهر الحياة الذاتية والموضوعية معا ظواهر متناهية مرئية وليست ظواهر افتراضية؛ أي إن الأعراض المرئية الملموسة هي موضوع العلم الأول. تقسيم العرض إذن إلى غير حي وحي قسمة متداخلة؛ فالمحسوسات جزء من الحي. والألوان والأضواء مدركات للبصر. والأصوات والحروف من مدركات السمع. والحرافة والمرارة والملوحة والحلاوة، والدسامة والحموضة والعفوصة والقبض والتفاهة مدركات للذوق. والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والثقل والخفة، والصلابة واللين مدركات اللمس. فالمحسوسات ليست أجساما طبيعية، بل هي مدركات من عضو حي وهو جسم الإنسان؛ لذلك نشأ التكرار في وصف العرض الحي بأنه سمع وبصر. وإذا عرفنا أن الحواس الظاهرة والباطنة موضوع تحليل في العلوم الضرورية، المحسوسات والمشاهدات والتجريبيات والحدسيات وبداءات العقول وجدنا أن وصف الإنسان قد تكرر ثلاث، مرات مرة في نظرية العلم وأخرى في أقسام العرض غير الحي وثالثة في أقسام العرض الحي، وكأن الأولى نظرية في العقل، والثانية نظرية في الموضوع، والثالثة نظرية في الذات. ويلاحظ على تصنيف المتكلمين تفصيل بعض الأعراض دون البعض (الأكوان، الألوان)، ووضع عدم الأعراض مثل الجهل والصمم والعمى، ووضع موضوعات من نظرية العلم مثل الشك والاعتقاد، وترك البعض الآخر مثل الصحة والمرض.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظرية · الصفحة ١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظريةص ١٧٥