تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كشفت السمعيات أو النبوات عن البعد الثاني وهو التاريخ، سواء التاريخ العام الممتد منذ البداية في النبوة وحتى النهاية في المعاد، أو التاريخ المتعين بفعل الإنسان الفردي أو بفعل الدولة كنظام سياسي؛ فالإنسان يصب في التاريخ، وكما أن الإنسان كامل ومتعين، فكذلك التاريخ عام ومتعين. والتاريخ العام هو تاريخ الوحي أو تاريخ الفكر، وتاريخ الفكر هو تاريخ الوعي أو الوعي التاريخي، تجارب البشر السابقة، حياة الشعوب، ونهضات الأمم وسقوطها. ويصعب الوعي التاريخي في الوعي الفردي، فيصبح الوعي الفردي وعيا تاريخيا، ويصبح الوعي الفردي مسئولا عن التاريخ ودافعا إياه نحو غايته ونهايته في المعاد. وطبقا لفعل الإنسان في التاريخ، وعيه بالماضي والتزامه بالحاضر، يتحدد مسار التاريخ في المستقبل. وطبقا لهذا التحدد يحدث المعاد كنهاية للفعل وإمكانيات التحقق. كما يتحدد مصير الإنسان فيه بالفناء أو البقاء، طبقا لفعله ووجوده في الحاضر بالعدم أو الوجود. يتعين التاريخ إذن بفعل الفرد الذي يقوم على النظر، والذي يتحول فيه النظر إلى تصديق بالوجدان. ويكون الفعل بالكلمة والإعلان كتعبير عن النظر والصدق، ويكون أيضا بأفعال الجوارح. ولما كان الفرد لا يعيش بمفرده، بل يعيش في جماعة، ظهر النظام السياسي كاكتمال لفعل الفرد، وأصبحت الدولة استمرارا لوجوده وتحقيقا لاختياره؛ فالفرد والدولة تعينان للتاريخ العام، أي إن العمل والسياسة تعينان للنبوة والمعاد. يكشف إذن علم التوحيد عن حضور الإنسان والتاريخ في شقيه العقليات والسمعيات أو الإلهيات والنبوات؛ وبالتالي تأخذ الأصول الخمسة معنى جديدا؛ فالتوحيد والعدل هما الوعي الخالص والوعي المتعين؛ أي الإنسان. والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي السمعيات؛ أي النبوة والإيمان والعمل والإمامة. والأصول الثلاثة تشير إلى التاريخ. وإذا كانت الأصول الخمسة هي أفضل الصياغات القديمة لعلم التوحيد، فإن الإنسان والتاريخ هما الأصلان المعاصران له، وهما في الوقت نفسه البعدان الناقصان في وجداننا المعاصر نتيجة للاغتراب القديم؛ وبالتالي يكون التحدي للعلماء وللساسة هو إيجاد الصلة بين هذين البعدين في علم التوحيد وفي وجداننا المعاصر حتى يعود العلم حيا في القلوب فيملؤها، كما يقضي على الفراغ النظري في الممارسة السياسية المعاصرة، وينتهي هذا الفصام القديم بين التوحيد والواقع، ويقضي في نفس الوقت على الاغتراب الديني لجيلنا بإيجاد الصلة بين التوحيد والثورة. (3-2) التوحيد والثورة

إذا كان الإنسان والتاريخ هما محورا علم أصول الدين، وكان الإنسان قابعا وراء الإلهيات (العقليات)، والتاريخ وراء النبوات (السمعيات)، كان «الله» و«الإمام» هما عصبا العلم. وإذا كان الله هو ركيزة الدين، والإمام هو ركيزة السياسة، أصبح الدين والسياسة هما محورا العلم كما تجلى ذلك في موضوعه الأول، الذات، وموضوعه الأخيرة، الإمامة، الله والسلطان، الدين والدولة، أو التوحيد والثورة، وهما الموضوعان الرئيسيان في العلم. قد يختلطان معا عند القدماء وعند المعاصرون، في الوعي التاريخي القديم وفي الوجدان الشعبي المعاصر، فيصبح الإله سلطانا، والسلطان إلها؛ ويسهل على السلطان التأله، كما يسهل على العامي اعتقاد الإله سلطانا؛ لذلك كان من الظواهر الإيجابية في علم التوحيد الالتزام السياسي؛ فقد ظهر العلم موجها للواقع ومتحدا به. وكما تظهر العلاقة بين التوحيد والإمامة من خلال الله والسلطان، تظهر أيضا من خلال الله والمعارضة؛ فليس إقرار النظام بأكثر اعتمادا على التوحيد من زعزعة النظم والثورة عليها. كان الدين هو أيديولوجية القدماء، وما زال يكون الرافد الأساسي في أيديولوجية الناس. وكما كانت الدعوة إلى الطاعة تتم باسم السلطان، كذلك كانت الثورة عليه تقوم باسم الله، بل إن الثورات المضادة كانت أيضا تقع باسم الله، وكذلك كانت المطامع الشخصية وحب القيادة والرغبة في السلطة كل ذلك تصفية للخصوم. وكانت الثورة سياسية واقتصادية واجتماعية في آن واحد، وما الثورة على السلطان إلا الشكل الخارجي لها.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٩٤