39 (2-6) هل هناك تفضيل بين الأمم؟
وتنتهي مراتب التفضيل بالتفضيل بين الأمم واعتبار أمتنا أفضل الأمم،
40
ولكن السؤال: هل هي أفضل الأمم على الإطلاق، أم أنها كذلك مشروطة بشرط أو بشروط؟ فهي أفضل أمة لأن فيها تم اختتام الوحي وإنهاء مراحله المتتالية منذ خلق البشرية حتى الآن، فهي الأمة التي اكتملت فيها التجربة، ولديها رصيد الأمم الأخرى وتجاربها، هي نهاية تطور الوحي وخاتم النبوة؛ وبالتالي تمثل الوعي الإنساني المستقل القادر بعقله وبإرادته على أن يعتمد على نفسه دونما حاجة إلى عون خارجي في فهم الطبيعة أو في التأثير عليها؛ فهي أمة بلا وصاية ولا تبعية. هذا هو الشرط الأول. وهي خير أمة أخرجت للناس، ليس على الإطلاق، ولكن لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ أي إنها أمة قادرة على الرقابة، رقابة الشعب على الحكام، ورقابة المؤسسات الدستورية على الأجهزة التنفيذية، وتعلن عن ذلك على الملأ وفوق رءوس الأشهاد؛ فهي أمة حرة في التعبير عن الرأي والقول والعمل، لا تخشى في الله لومة لائم، لا تسكت عن الحق ولا ترضى بالظلم. وهذا هو الشرط الثاني. لم يفصل القدماء هذه المرتبة في التفضيل؛ لأن الأمم الأخرى كانت منضوية تحت الأمة الحضارية الجديدة، فلم تشعر بأهمية التفضيل قدر شعورها بالتفضيل مع الخصوم السياسيين. ومع ذلك يظل السؤال: إلى أي حد تستوفي الأمة حاليا هذين الشرطين، أم أنها الآن مغلوبة على أمرها تابعة وتحت الوصاية، وأن أمما أخرى غيرها استحقت هذه الشروط، وبالتالي تكون أفضل منها؟ (3) التوحيد بداية النهضة
إذا كان التفضيل بداية الانهيار، فإن التوحيد بداية النهضة؛ فبقدر ما توجد شواهد نقلية على سقوط الإمامة وانهيار الخلافة في التاريخ، توجد شواهد أخرى نقلية وعقلية وواقعية على تقدم التاريخ ونهضة الشعوب والاتجاه نحو المستقبل. وإن هذه الرؤية الأولى، الانهيار المستمر للتاريخ، إنما تولدت من شعور بالحزن والأسى على ما وقع في الأمة من فتنة وشقاق وتحول الخلافة إلى ملك، والإمامة إلى وراثة، وركون الناس إلى الدنيا، فكان من الطبيعي أن يخرج هذا التصور للتاريخ على أنه انهيار مستمر. وما أسهل بعد ذلك من وجود نصوص دينية بهذا المعنى حتى يحدث تطابق بين التجربة النفسية والنص الديني. ومع بدايات النهضة الحالية منذ حركات الإصلاح الديني الأخيرة، وحركات التحرر الوطني، ومحاولات التفكير في شروط النهضة، يبرز التوحيد من جديد مرتبطا بالنهضة كرؤية للتاريخ مخالفة للرؤية الأولى، التاريخ كتقدم واتجاه نحو المستقبل، وأنه في الإمكان أبدع مما كان، وأن هناك مجالا للسبق، فالسابقون السابقون، لمن شاء منا أن يتقدم أو يتأخر. (3-1) الإنسان والتاريخ
كشفت محاولة إعادة بناء علم أصول الدين عن وجود بعدين رئيسيين فيه، هما الإنسان والتاريخ، وهما البعدان الناقصان أيضا في وجداننا المعاصر. وقد يكون تغليفهما في علم التوحيد القديم هو السبب في اختفائهما من وجداننا المعاصر.
41
فإذا انقسم العلم إلى قسمين رئيسيين، العقليات والسمعيات، أو الإلهيات والنبوات، فإن القسم الأول هو في الحقيقة مبحث الإنسان؛ فالله هو الوعي الخالص، الذات، أي شعور الإنسان بوجوده، ليس له بداية في الزمان، ينشأ في الشعور ويبقى فيه طالما كان الشعور يقظا. لا يوجد في محل؛ فالشعور زمان لا مكان، ولا يشبهه شيء لأنه وعي خالص، وواجد تعبير عن وحدة الشعور. فإذا ما تعين هذا الوعي الخالص فإنه يتسم بصفات الوعي النظرية والعملية، النظرية مثل العلم الذي يأتي من السمع والبصر ويعبر عن نفسه بالكلام، والعملية مثل الإرادة والقدرة. وهذه الصفات النظرية والعملية إنما هي تعبير عن الحياة اليقظة. والوعي الخالص والوعي المتعين كلاهما يعبران عن الإنسان الكامل، الإنسان المثالي، ما يجب أن يكون عليه الإنسان، سواء كوعي خالص كذات أو كوعي متعين بالصفات. فإذا ما تحول الإنسان الكامل إلى الإنسان المتعين فإنه يظهر كحرية وعقل، والحرية سابقة على العقل لأنه بها يثبت وجوده ويستقل عن الإنسان الكامل، ثم يظهر العقل كأساس للحرية؛ إذ إن الحرية عاقلة. وتبدو حرية الإنسان المتعين في خلق الأفعال؛ أي إنه يكون صاحب أفعاله مسئولا عنها، سواء أفعال الشعور الداخلية أو أفعال الشعور الخارجية، أو أفعال البدن في الطبيعة أو أفعال الإنسان في المجتمع؛ فأفعال الشعور الداخلية من إدراك وعلم أفعال حرة، وأفعال الشعور الخارجية تقوم على الاستطاعة، وأفعال البدن في الطبيعة تجعل فعل الإنسان ممتدا ومنتشرا في العالم ومحدثا لمساره، ويصب خلق الأفعال في النهاية في أفعال الإنسان في المجتمع والتاريخ، حيث يكون مسئولا عن وضع أمة في لحظة معينة وعن مصيرها في التاريخ. ولما كانت الحرية عاقلة برز العقل أساسا للنقل، وأصبح العقل قادرا على إدراك حسن الأفعال وقبحها، وعلى إدراك الصلاح والأصلح وفهم الغائية في التاريخ. ولكن بسبب هذه الرؤية المنهارة للتاريخ لم يظهر الإنسان فيه، وتحول الإنسان الكامل إلى مجرد رمز وأمل ومشجب يتعلق به الإنسان المتهور بلا إرادة مستقلة وبلا عقل قادر. ولم يبق أمام الإنسان المقهور إلا التصوف والإشراق حتى يحدث التطابق بينه وبين نفسه هروبا من العالم، وتعويضا عن اغترابه فيه.