42
فإذا كان التوحيد لا يتحقق إلا بالثورة، ولا يجد غايته إلا فيها، فإن تحقق الوعي الخالص في التاريخ لا يتم إلا بالفعل، بجهد الإنسان وعمل الجماعة، وكأن الفعل هو المحرك الأول لهذه العملية. وما ظنه القدماء أنه المحرك الأول هو في حقيقة الأمر فعل الإنسان في عملية تحقق الوعي الخالص في التاريخ، وما ظنه القدماء على أنه وجود يمكن إثباته في البداية بالبراهين العقلية هو في حقيقة الأمر عملية الإيجاد ذاتها من البداية إلى النهاية؛ فالوجود صيرورة أو عملية إيجاد، أو كما قال القدماء حال ينتقل فيه الوجود إلى عدم أو العدم إلى وجود. الفعل شرط الوجود عن طريق عملية الإيجاد التي لا تتم إلا من خلال الفعل. فإذا كان الله هو الوعي الخالص، فإنه لا يوجد إلا من خلال عملية الإيجاد من خلال الفعل وبنشاط الذات؛ فقد يوجد وقد لا يوجد طبقا لنشاط الذات، وبناء على القيام بعملية الإيجاد أو النكوص عنها. هو إذن أقرب إلى الإمكان منه إلى الوجوب أو الامتناع. وما دامت عملية الإيجاد مرتبطة بنشاط الذات، فإمكانية الوجود تكون فردية خالصة، توجد بالنسبة لمن يقوم بعملية الإيجاد ولا توجد بالنسبة إلى آخر لا يشارك في الإيجاد. الوجود إذن فردي محض بالنسبة للفرد وبالنسبة للوعي الخالص. الوجود إحالة متبادلة بينهما، بقدر ما يوجد الفرد يوجد الوعي الخالص، وبقدر ما يوجد الوعي الخالص في الفرد يزداد وجود الفرد ووعيه بعملية الإيجاد. وقد تستغرق عملية الإيجاد حياة الفرد كلها؛ إذ إن الوعي الخالص مشروع الفرد. الله إذن مشروع شخصي، وحياة الفرد تحقيق لهذا المشروع، ويتحقق المشروع بتحقيق الفرد لرسالته في العالم. ولما كان نشاط الفرد ممتدا إلى نشاط الجماعة ويصب فيه، فإن عملية الإيجاد تكون جماعية بقدر ما هي فردية. ولما كانت الجماعات تتوالى ويتراكم جهدها، كان مشروع الفرد والجماعة هو ذاته مشروع الإنسانية. باكتمال الوحي تكتمل الإنسانية، ويصبح مشروعها تحقيق الوحي كنظام مثالي للعالم، أو تحويل الأيديولوجية وهي الوحي إلى بناء للواقع. فإذا ما تم ذلك على مستوى النظر والإدراك تحول الوعي الخالص إلى تاريخ على مستوى العمل والسلوك. هذا التحقق في العالم ليس خروجا عنه كما هو الحال في علوم التصوف، بل هو داخل فيه، وقائم على التزام الإنسان بقضايا العالم وليس بتخليه عنها إنقاذا لذاته، وهو يظن أنه قد أنقذ العالم معه؛ ومن ثم هناك خلاف جذري بين عملية التوحيد كإيجاد وحدة الوجود الصوفية بالرغم من أن كليهما حول التوحيد إلى عملية. فوحدة الوجود وحدة نظرية خالصة وليست وحدة عملية؛ إذ لا يتحقق الوحي فيها كنظام مثالي للعالم، ولا يتغير الواقع، بل يظل كما هو عليه. لا تعني وحدة نظرية هنا أنها وحدة عقلية، بل تعني أنها وحدة بلا عالم، وحدة صورية بلا مضمون، مجرد افتراض نظري دون أن تتحقق بالفعل. هي وحدة خالية من أي مضمون اجتماعي، وحدة ميتافيزيقية خالصة، وكأن التوحيد بين الله والعالم هدف في ذاته، في حين أن عملية الإيجاد وحدة عملية تتم بالفعل بين الوحي والعالم، لها مضمون اجتماعي أساسا، وسيلة لتحقيق غاية هي تغيير نظام العالم إلى كمال له، وتحقيق مثال الوحي فيه. وحدة الوجود عملية وهمية من صنع الخيال، وليست عملية واعية تقوم على تحليل الواقع وعلى تنظير القضايا. وحدة الوجود لا تتم إلا في نفس الصوفي، ولا تنقذ إلا إياه، وكأنها وحدة تقوم على أنانية خالصة، ينقذ الصوفي نفسه ويترك العالم، في حين أن عملية التوحيد هي أساسا غيرية تقوم على التضحية بالذات في سبيل خلاص العالم. وحدة الوجود تنتهي بالقضاء على الفردية وإلغاء الشخصية، والغوص في عالم واحد يفقد فيه الإنسان ذاتيته، في حين أن عملية الاتحاد قائمة في البداية على إثبات الذاتية في البداية دون التخلي عنها في النهاية؛ فالشهادة أقوى إثبات لها بتحويل الموت إلى خلود. وحدة الوجود وحدة فردية خالصة لا تتم إلا في نفس الصوفي دون الجماعة أو الحزب أو الجماهير أو التاريخ. والحلقة الصوفية أو الطريقة جماعة محدودة مهمتها عملية محضة في بداية الطريق، ولكن في النهاية تظل فردية خالصة، في حين أن عملية الإيجاد وحدة فردية وجماعية تتم في الفرد وفي الجماعة، في الإنسان وفي الأمة. وحدة الوجود لو تمت كعملية فإنها تتم في الماضي وفي تاريخ النبوة، وتتحقق بالفعل بانتهاء النبوة، ولا تترك للمستقبل شيئا، في حين أن عملية الإيجاد تهدف أساسا إلى المستقبل، وتتحقق إلى الأمام في العالم. تتم وحدة الوجود بتدخل إرادة خارجية تفعل وتنفذ، تختار وتشاء. وشرط ذلك إسقاط التدبير وإلغاء الفرد لحريته وإرادته، في حين أن عملية الإيجاد عملية حرة خالصة، يخلق الإنسان بها ذاته، ويحقق بها مشروعه بفعله الحر. وإذا بدت وحدة الوجود وكأنها عملية تتم لصالح الله وليس لصالح البشر؛ لأنه أحق بالوحدة والاتحاد معه من غيره، فإن عملية الإيجاد تتم لصالح البشر، فهو أحوج إلى الوحدة والتوحيد من غيره.