تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34

ومن ترتيب أئمة الفقه يظهر مجموع الفقهاء على عقائد الفرقة الناجية، فرقة السلطة، ابتداء من العشرة المبشرين بالجنة والفقهاء الأربعة الذين أجمعوا جميعا على رأي السلطة؛ فالعشرة لهم الآخرة، والأربعة لهم الحكم في الدنيا؛ وبالتالي تكون عقائد السلطة قد فازت بالدنيا والآخرة في آن واحد. وإذا حدث خلاف بين الأربعة اختلفت الأمة، وإذا حدث اتفاق بينهم اتفقت الأمة. وما دامت الأمة قد أجمعت على عقائد الفرقة الناجية وتكفير الفرق الضالة، فعلى هذا النحو تكون الأمة. فإذا ما حدث خلاف بين الفقهاء فإنه لا يكون في أصول الكلام، بل في فروع الفقه؛ وبالتالي لا يحدث خرق للإجماع على عقائد الفرقة الناجية. فإذا ما حدث خلاف في أصول العقائد، فإنه لا يحدث في العقليات، بل في السمعيات، مثل الإيمان هل هو مجرد إقرار ومعرفة أم يصحبه تصديق وعمل، أو في موضوع من العقليات يتم التفويض فيه والتسليم بعجز العقل عن معرفة كنه الأشياء. وقد انتصر الفقهاء لعقيدة الفرقة الناجية، وأبطلوا قول الخصوم في الاستطاعة وخلق الأفعال حتى يتم استسلام الناس لقوى خارجية عنهم يصعب بعد ذلك معرفة أيها من الله وأيها من السلطان. وأكبر الخصوم مراسا هي المعارضة العقلية العلنية الداخلية التي تتطلب المواجهة بالحجة علنا وأمام الناس؛ فالإجماع مع الفرقة الناجية، والتفرق والخروج والاختلاف مع الفرق الضالة. وإن حكم أئمة الفقه، وهم الأصحاب، في أهل الأهواء هو عدم جواز الصلاة خلفهم ورد شهادتهم لأنهم زنادقة!

35

وفي ترتيب أئمة الحديث والإسناد يظهر علماء الفرقة الناجية على أنهم حملة العلم ونقلة الرواية، فيوثق بهم على أساس أنهم ورثة الأنبياء. وهم أصحاب التصانيف والتآليف في الرد على أهل الأهواء، وهم أهل الجرح والتعديل والثقات العدول؛ وبالتالي تقبل شهادتهم، ويتم التسليم بأحكامهم ضد المدلسين الضعفاء، أهل الأهواء.

36

أما ترتيب أئمة التصوف والإشارة، فهم في مجملهم ما يزيد على الألف، وليس من بينهم أهل الأهواء إلا ثلاثة؛ حلولي واتحادي، وهو ما لا تقبله العامة، ومعتزلي طرده الصوفية من بينهم كما يطرد الطيب الخبث! ولما كان الصوفية أئمة العامة والمسيطرين عليهم في الطرقات والزوايا، فإن كلامهم مسموع ورأيهم صائب. وهم أهل التصوف والإشارة الذين يفهمون ما لا يفهمه غيرهم؛ وبالتالي كانت الثقة بهم أعظم لعلومهم الدينية التي لا يجوز الاعتراض عليها.

37

أما ترتيب أئمة النحو واللغة، فهم أولا جميعا من الفرقة الناجية، ولا أحد منهم من الفرق الضالة، وكل تصانيفهم في الهجوم على المعارضة العقلية العلنية الداخلية. وإن كل من يجالسها أو يخالطها أو يصادقها أو يتأثر بها فهو مذموم مكروه مثلها، تهمة يجب الدفاع عنها. وأهل اللغة والأدب مثل الصوفية قريبون من العامة؛ فأذواق العامة في اللغة والأدب لا تقل عن أذواقها الصوفية؛ وبالتالي يمثل علماء اللغة والنحو سلطة أدبية يمكن بعدها الثقة بهم، وتصديق أحكامهم على أهل الأهواء.

38

وبالإضافة إلى هذا كله فإن كل أهل الثغور، أي حدود الأمة وأطرافها حيث تجب الحماية للداخل والصد للأعداء في الخارج، كلهم من عقائد الفرقة الناجية، وليس فيها من عقائد أهل الأهواء شيء؛ فحماية الأمة إذن تأتي من الفرقة الناجية، وخرابها يأتي من أهل الأهواء؛ وبالتالي كان جهاد أهل الثغور بالحجة والاستدلال ضد أهل الأهواء، وفي مقدمتهم القدرية، جزءا من الجهاد ضد الأعداء حماية للأمن وتحصينا لثغورها. الفرقة الناجية هم أهل الفكر والسلاح، والفرق الضالة هم أهل الهوى والخنوع! وهكذا يكتب التاريخ، ويفاضل بين العلماء، دفاعا عن السلطة ضد خصومها بعد أن لبست ثوب الفرقة الناجية، وألبست خصومها ثوب الفرق الهالكة.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٩٢