31
ولكن هذه التصورات البديلة المتعددة النماذج أو الارتقائية الاتجاه لم تستقر في وعينا القومي لأنها لم تكن التصور الغالب في الذات؛ لأنه كان تصور المعارضة في حين كان التراث تراث سلطة. ولم يستقر هذا التصور الارتقائي إلا في أحد جوانب الوعي في الأمم المجاورة على نحو أسطوري عن طريق انتظار الإمام الغائب الذي سيكون بيده سبيل الخلاص. (2-5) هل هناك تفضيل بين العلماء؟
وإذا كان العلماء ورثة الأنبياء، كما أن الخلفاء نيابة عنهم في مصالح الأمة، وقع تفضيل أيضا بين العلماء. فهل يأتي العلماء بعد الرسل باعتبار أنهم ورثة الأنبياء، أم بعد الخلفاء الأربعة، أم بعد المبشرين بالجنة، أم بعد أهل بدر أو أحد أو بيعة الرضوان؟ وأي علماء أفضل، علماء الأول أم الثاني أم الثالث أم علماء الأمة إلى يوم الدين؟ وأي علماء وفي أي علم؛ العلوم النقلية أم العلوم العقلية أم العلوم النقلية العقلية؟ وهل أفضل في درجة العلم أم في فضائل أخرى تزخر بها مصنفات العلم والعلماء؟ وما هو موقفهم؛ التقليد أم التجديد، التبعية أم الاستقلال، الترديد أم إعادة البناء، التكرار أم الخلق والإبداع؟
32
وهل يمكن رصد كل العلماء حتى يوم الدين حتى يكون الحكم بالفضل جامعا مانعا شاملا صادقا، وإلا كان مبتسرا على علماء قرن أو قرنين؟ في كل الأحوال تنتهي الإمامة بأحكام العلماء والأئمة؛ أي في الإمامة العلمية لا السياسية. قد يغلب أحيانا أئمة الفقه، تصنيف دقيق للعلم والعلماء، ولكن يكشف عن ازدواج الأشعرية بالتصوف، وارتباط الفقه بالحديث، وظهور علوم النحو والبلاغة؛ وبالتالي مزج العلوم النقلية مثل الفقه والحديث بالعلوم النقلية العقلية مثل الكلام والتصوف، وظهور بعض العلوم الإنسانية كالنحو والبلاغة. لا تذكر علوم القرآن والتفسير والسيرة ضمن العلوم النقلية، ولا تذكر أيضا علوم الجغرافيا والتاريخ ضمن العلوم الإنسانية. أما العلوم العقلية الخالصة الرياضية والطبية فتختفي تماما؛ ربما لأن بعض هذه العلوم لم يكن قد ظهر أو انتظم بعد، وربما لأن العلوم المذكورة أقرب إلى العلوم النقلية في مجموعها من العلوم العقلية. ويذكر ترتيب السلطة، ويختفي علماء الفرقة الضالة، أي تراث المعارضة، ويضرب حوله مؤامرة الضعف والنسيان.
33
وفي عرض كل عام تظهر غايتان؛ الأولى: تاريخية؛ أي ترتيب العلماء طبقا للطبقات والعصور، فهذا أولهم من المتكلمين، وهذا أولهم من الفقهاء وأئمة الحديث. وهو تاريخ مذاهب ؛ أي من وجهة نظر الفرقة الناجية وحدها فرقة السلطة في مقابل الفرقة الضالة، وهي فرق المعارضة بكل صنوفها، العلنية منها والسرية، الداخلية منها والخارجية. وتذكر أسماء العلماء وعناوين مصنفاتهم. والغاية الثانية: مذهبية عقائدية لنقد عقائد الفرق المخالفة وتفنيد مذاهبها، وكلها أحكام قيمة من وجهة نظر السلطة القائمة التي تعتبر نفسها الفرقة الناجية؛ فيستعمل سلاح الألقاب، فالمعارضة إما قدرية تنكر القدر، أو خارجية تخرج على الإمام، أو غلاة روافض تتطرف وترفض. وتذكر أقوالها بلفظ «زعم» أو «ادعى»، في حين أن الفرقة الناجية أهل السنة والاستقامة أو أهل الحق أو أصحاب الحديث أو الجمهور؛ أي الغالبية في مقابل الأقلية. كما تذكر أسماء المصنفات في الرد على الفرق المخالفة، والفتاوى من فقهاء السلطان بتحليل دمائهم! وينتزع منها أية شرعية في العقائد، وينكر عليها انتسابها إلى الإمام الرابع أو إلى الصحابة حتى تبدو خارجية أو هامشية أو دخيلة أو منحرفة. والغاية من هذا التاريخ كله هو تشويه الخصوم السياسيين حتى يسهل بعد ذلك عزلهم عن الناس، والتخفيف من آثارهم على الحياة العامة باستعمال سلاح التكفير والتضليل. والاعتماد على آراء الفقهاء وأئمة الحديث وسلطتهم في نقد الخصوم من المتكلمين يهدف أساسا إلى العامة الذين في تصورهم أن الفقهاء على حق والمتكلمين على باطل؛ فإذا ما تصدى الفقهاء المتكلمون من الفرقة الناجية إلى متكلمي الفرق الضالة فإن الحق يتصدى للباطل! كما يضم إلى الفقهاء بعض الصوفية والأدباء والشعراء لما لهم من ثقة عند الناس؛ وبالتالي يشتد الحصار حول الخصوم العقلانيين العنيدين صعبي الفهم والكلام. وإن حددت المناظرات في مجلس السلطان لتدل على استعمال السلطة لفقهائها ضد الخصوم، وأن السلطة السياسية هي الحكم الفصل في خصومات المتكلمين؛ فالعقائد تدور في اللعبة السياسية، والخلاف بين المذاهب إنما يدور حول كرسي الحكم، ويحرسه عسكر السلطان. ويبرز فقيه السلطان الأول ومؤسس مذهب السلطة وزعيم الفرقة الناجية على أنه هو الحق والسلطة والدين، وأن الأمة كلها تابعة له، وأن كل من دونه خارج عليه. وتلاميذه هم القضاة الذين يفصلون بين الحق والباطل، ويحكمون في منازعات الخصوم. وما داموا قد حكموا بتضليل الفرق المخالفة، فإنهم لا يخطئون. وإذا كانوا يحكمون في المناطق النائية حتى الحدود والثغور، فالأولى أن تؤخذ أحكامهم في المناطق القريبة وفي المدائن في قلب البلاد. وإذا كان من تلاميذه كبار المفسرين والمؤرخين، فالأولى بالتتلمذ عليه والسماع إليه عامة الناس.