15
وقد يأتي الترتيب في الفضل ثنائيا أو ثلاثيا طبقا لمقاييس العلم والشجاعة، والنظر والعمل.
16
وكلها في الحقيقة اختيارات سياسية لقيادات هي تعطي شرعية للفرقة السياسية التي تنتسب لهذا الصاحب أو لذاك كزعيم سياسي؛ فالموضوع إنما نشأ أصلا تبريرا للتاريخ، وتعبيرا نظريا عن الصراع السياسي بين السلطة والمعارضة، كل منها تحاول أن تجد شرعية لها في التاريخ، سواء في الأمر الواقع أو فيما ينبغي أن يكون. وما الأمر الواقع إلا مؤامرة تمت منذ البداية، والواقع لا يكون مبدأ، والمستقبل الحاصل للشرعية والحق المهضوم الذي لا يضيع، بل لا بد أن يكون أقوى من الحاضر الذي فيه الاستسلام للأمر الواقع وحكم الظلم. وإن ترتيب الخلفاء الأربعة لهو ترتيب زماني صرف طبقا لحوادث تاريخية صرفة، وليس ترتيبا أصلا في الفضل النظري.
إذا كان الخليفة الأول قد مات طبيعيا فإن الخلفاء الثاني والثالث والرابع قد ماتوا غيلة؛ أي بتدخل عوامل خارجية. وكان يمكن للرابع أن يموت اغتيالا قبل الأول، وكان يمكن للثاني أن يعيش قبل الرابع. ويتساوى الأربعة في مشاهدة التنزيل ومعرفة التأويل لو كان التفضيل يعني هذه العموميات ومدح الرفاق والثناء على خصائصهم، ولو كان يعني الفضل عند الله والسبق في الدين.
17
وهو ما لا يعرفه أحد إلا بالنص القاطع دون إمكانية الحكم فيه بالعقل أو بالواقع؛ وبالتالي تغيب عنه الأدلة العقلية والتاريخية، ويصبح خارج علم أصول الدين الذي يقوم على العقل والنقل، والذي يكون فيه العقل أساس النقل؛ لأن الظن لا يغني عن الحق شيئا طبقا لنظرية العلم في المقدمات الأولى. وهي مسألة لا يمكن الحصول فيها على يقين نظرا لصعوبة إيجاد مقاييس للتفضيل إلا العمل والاستحقاق، والحكم فيها بالفضل ليس للناس؛ لأن الاستحقاق في المعاد وليس في الدنيا. وقد وضعها القدماء ورأوا فيها جزءا من العلم كملحق للإمامة عن طريق التقليد، والتقليد ليس أصلا من أصول العلم، فهي فرع للفرع. ونظرا لأن الإمامة فرع فقد وضعت أيضا في بنية العلم عن طريق جريان العادة. وقد كان للموضوع أهميته في الماضي، فقد سالت لأجله الدماء، ولكنه لم يعد بذي أهمية الآن إلا كحادثة تاريخية صرفة يجد فيها كل نظام سياسي حجة شرعية له في الانتساب لأحد الأطراف كما هو الحال في شرط القرابة. قد يتجاوز الأمر دافع الحسد والتعصب لصعوبة تفسير حوادث التاريخ بالعوامل الفردية والانفعالات النفسية وحدها، ولكن الأهم هو أنها حوادث تاريخية لا تهم إلا بقدر ما يقرأ الحاضر نفسه في الماضي، ويبدو الأمر وكأنه اختلاف في تفسير التاريخ.
18
كذلك لعدم نفعه، بل لاحتمال الضرر منه كتعمية الواقع وتغليفه بالماضي، ونسيان الصراع الحالي تحت غطاء الصراع الماضي يمكن التوقف فيه، أو التفويض فيه لله، وهو أيضا نوع من التوقيف، إلغاء للمسألة. ولا يعني ذلك تصويب القاعدين إلا لأنه لم يتبين لهم الحق في الأمر فتوقفوا فيه، ولكن لا يجوز القعود فيه إذا ما تبين الحق فيه، فالإمامة واجبة، والتوقف امتناع أساسا عن تكفير الصحابة والطعن فيهم، وإيثار الفضل للكل. قد يصل حد التوقف إلى إنكار الوقائع التاريخية كلها؛ فالفتنة لم تقع، والحروب بين المسلمين لم تحدث.
19
وإذا كانت دعوة العصمة من بعض الرفاق، والطعن والتكفير من البعض الآخر في الرفاق أنفسهم، وكلاهما رد فعل على الآخر، فمن الأفضل الإمساك عن هذا وذاك، عن التعظيم والتحقير، إما عن طريق الشك في الروايات والأخبار، أو عن طريق تأويلها من أجل الحفاظ على سيرة الخلفاء في التاريخ واستمرارهم قدوة في السلوك. ولقد فعل الجميع بناء على اجتهاد، وللمخطئ أجر، وللمصيب أجران.
20
وأصبحت كل فرقة تدافع عن نفسها ضد تهمة التفضيل التي تعني الثناء على بعض الرفاق والطعن في البعض الآخر؛