تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

وإن معظم الحجج التي تؤيد هذا الترتيب هي حجج نقلية، مع أن نزول بعض الآيات في أحد لا تجعله أفضل من غيره؛ لأن أسباب النزول مجرد وقائع نموذجية تتكرر فيما بعد في وقائع أخرى مشابهة، ولا تقل الواقعة الثانية عن الأولى أهمية، وقد نزلت بعض الآيات في المنافقين والمشركين وهم ليسوا بأفضل الناس، كما أن الوحي لا يتحدث عن أشخاص بعينهم، بل يصف مواقف ولا يهم الأشخاص فيها، وما أكثر ما قيل في فضائل الخلفاء؛ وبالتالي تتكافأ الأدلة النقلية.

10

ومع ذلك قد يحدث بعض الاضطراب في التعيين، فيهتز هذا الترتيب في انهيار التاريخ تدريجيا من الأفضل إلى المفضول. والاهتزاز الأكبر يأتي في الخلاف حول الخليفتين الثالث والرابع، وبالتالي تبادل موقعيهما، فيقدم الرابع على الثالث نظرا لأنه أكثر فضلا منه. وبالرغم من تبادل المواقع يظل سلم التفضيل لا يتغير، من الأفضل إلى المفضول، بصرف النظر عن تعيين الأشخاص.

11

وتظهر الأهواء والمواقف السياسية في تفضيل كل منهما على الآخر، ونادرا ما يحدث اضطراب في التفضيل بين الخليفتين الأول والرابع أو بين الرابع والثاني، والكل مشهود له بالفضل والجدارة.

12

وما أكثر الحجج التي قيلت في تفضيل الخليفة الرابع على الثالث، وهي تعادل في كثرتها الحجج التي تثبت أفضلية الخليفة الأول على الإطلاق، بعضها نصية قد يكون الخليفة الرابع سبب نزولها. وأسباب النزول لا تتعلق بالأعيان والأشخاص في ذاتها، بل هي مجرد وقائع نمطية أولى يتعدى حكمها إلى غيرها، وللوقائع الأخرى المشابهة نفس الصدق التي للواقعة الأولى. كما أن الكثير منها عموم وليس خصوصا؛ لأنها تضع تشريعا عاما لا قانونا خاصا. وإذا كان البعض منها يشير إلى القرابة، فالقرابة ليست شرطا في الخلافة ولا في الفضل، والبعض منها آحادا يعتمد عليها في إثباته كخليفة أول لا يصدقها الواقع ولا التاريخ، وتصديق بعض الأخبار المستقبلة عليه مثل تصديق البعض الآخر على غيره، وإن كل هذه الحجج النقلية إنما ظهرت بعد تجربة الإمامة المستبعدة والخلافة المؤجلة في واقع سياسي معين جعله يبحث عن شرعية، فوجدها في الحجج النقلية في مجتمع النص فيه حجة سلطة. فالواقع هو الذي يخلق النص ويختاره ويوجهه من اللاحق إلى السابق، ومن الحاضر إلى الماضي، وليس النص هو الذي يعين الواقع ويرشد إليه من السابق إلى اللاحق، ومن الماضي إلى الحاضر. الواقع يقرأ نفسه في النص فيوجده ويحييه، وليس النص الذي يخلق الواقع ويتحقق فيه. ولما كثرت النصوص في كل شيء كان من السهل إيجاد الحجج النصية على شرعية كل المواقف السياسية والبراهين على صحة الزعامات بما في ذلك القاهر والمقهور، الظالم والمظلوم، السلطة وجميع فئات المعارضة.

13

أما بالنسبة للصفات الشخصية فما أكثرها أيضا، ولكنها في مجموعها لا تخص شخصا بعينه، بل كانت عامة وشائعة على درجات متفاوتة بين جميع الرفاق. فالعلم كان صفة القوم نظرا لأن الوحي علم يتلقونه بالخبر والرواية، ويشمل العلم التشريع لأن الوحي عقيدة وشريعة، تصور ونظام، أصول دين وأصول فقه. والزهد كان سلوكا عاما مميزا لكل الأصحاب، والكرم كان شيمة عامة يتنافس فيها المؤمنون، والشجاعة صفة غالبة في مجتمع المحاربين، والقوة العضلية ميزة خلقية لا تفاضل فيها، وحسن الخلق وحلاوة الدعابة ميزتان توجدان في أكثر من شخص غير معينتين في شخص واحد بعينه. أما القرابة من الرسول ونسبه له فليست ميزة شخصية ولا فضلا، كما أن أولاده من صلبه بالرغم من إمامتهم، فإن فضلهم يرجع إلى استحقاقهم وليس إلى نسبهم.

14

وكما يحدث اختلاف في الترتيب بين الثالث والرابع، أو بين الأول والرابع، أو بين الثاني والرابع ، وكأن الرابع لا يزاحم الثالث فقط في الفضل، بل يزاحم أيضا الأول والثاني أيضا، يؤخذ الأول على الإطلاق بصرف النظر عما يليه في الفضل، سواء من داخل الخلفاء الثلاثة أو من خارجهم من باب الرفاق. فقد يكون الأول على الإطلاق هو الثاني أفضل الخلفاء الأربعة جميعا. وأي فضل أفضل من العدل وأي أفضل من الفاروق؟ وقد يأتي في البداية أحد من أهل العلم والرواية يتبع في علمه الفاروق، وقد يأتي أحد المناصرين له، أول من آواه في بيته أو نصره بسيفه.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٨٦